Wednesday, February 23, 2005

الطب الوقائى فى الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم
الطب الوقائي في الإسلام
دلائل إعجازية
بقلم الدكتور مصباح سيد كامل
جامعة المنيا
الفصل الأول
وضع الإسلام تصورا عاما للحياة ينبثق من العقيدة ويهتدي بهداها. وفي ضوء هذا التصور يقدم منهجا متميزا يشمل كافة أنشطة الحياة ومن بينها الطب الإسلامي، فالإسلام عند المسلم عقيدة روحية ومذهبية اجتماعية ومنهاج يسلكه في أمور دينه ودنياه. وسوف نعرض خصائص التصور الإسلامي ثم نوضح انعكاساته على النظرية الطبية في الإسلام ويقوم التصور الإسلامي على المبادئ التالية:
توحيد الخالق.

وحدة المخلوقات.
وحدة الأمة.
الاستخلاف في الأرض.
الصحة في ضوء مفهوم الاستخلاف
خلافة الإنسان في الأرض تتحقق بعمارتها وحمايتها وإصلاحها، والمؤهلات التي منحها الله للإنسان لتمكنه من أداء وظيفة الخلافة هي العقل والإرادة الحرة وقوة البدن وهذه نعمة من الله عز وجل لا بد من توظيفها فيما يرضى الله تعالى حتى تكون حياة الفرد عبادة.
فالصحة والعافية نعمة تلي نعمة الهداية إلى الإيمان.أخرج الإمام أحمد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سلوا الله اليقين والمعافاة، فما أوتي أحد بعد اليقين خيرا من العافية". ونظرة الإسلام إلى الصحة تتطابق مع عناصر الاستخلاف وبذلك يمكن تقسيمها إلى ثلاث مستويات هي:
بناء الصحة. 2-حمايتها. 3-إصلاحها.
حماية الصحة والمحافظة عليها من المفاهيم الإسلامية الأصيلة، يقول تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (البقرة: 195). ومنذ صدر الإسلام ظهر حفظ الصحة حيث إنه يعين على العبادة وأداء مهمة الخلافة في الأرض وبذلك تتحقق مصلحة الدين.
والوقاية من المرض تحقق مصلحة البدن والعقل تعين على العمل والكسب والتناسل. فهي بذلك تحفظ مصلحة النسل والمال. وهكذا فإن حفظ صحة الفرد يحقق له المصالح الخمس التي طلب الشرع رعايتها وهي الدين والبدن والعقل والنسل والمال.
تعريف الطب الوقائي: هو العلم المتعلق بمنع إنتشار الأمراض وتعزيز الصحة النفسية والجسمية عند الأفراد والجماعات.
أهمية الطب الوقائي
تهتم الأمم كلها في أيامنا الحاضرة بالطب الوقائي، لأنه يكفل لمواطنيها الخدمات الصحية التي تقيهم شر الأمراض والأوبئة قبل وقوعها، ويهيئهم للعمل ويمكنهم من الإنتاج، ويوجه الجهود إلى العناية بأوليات الصحة العامة من نقاء الهواء، ومستوى الغذاء، ونشر الوعي الصحي الخ. وإذا كانت الحضارة الغربية المعاصرة تروج أن الفضل يرجع إليها في وضع قوانين الطب الوقائي كما فعلت انجلترا عام 1848م عندما وضعت قانونا يكفل المحافظة على صحة الشعب، ونشأ في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1951 معهد "روكفلر" للأبحاث الطبية، إلا أن الإسلام كان هو الأسبق في هذا المضمار ويتجلى ذلك في القرآن الكريم بآياته المعجزات التي تضمنت كثيرا من التوجيهات الحكيمة التي استهدفت تحقيق مقاصد الشريعة من حفظ النفس والعقل والنسل. كما أن خاتم النبيين "محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم كان قد توصل إلى الكثير من مفاهيم الطب الوقائي، وحفظت لنا سيرته وسنته العطرة العديد من الأساليب والأحاديث والأقوال والأفعال التي توضح ذلك. إذا وضعنا هذه المفاهيم في إطارها الزمني ومجالها الحضاري، كان خليقا بأن نجد فيه سبقا لعصره بمئات السنين، ونراه أهلا لأن يحتل مكانه من الصدارة والمصداقية.
المفهوم الوقائي والمفهوم العلاجي في الطب النبوي
وقد كان من الإعجاز النبوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قدم الطب النبوي وكعلم وإيمان كعلم يعالج مرض القلوب ومرض الأبدان من جهة، وإيمان لترسيخ مفاهيم الدعوة الإسلامية والعقيدة وتعاليم الإسلام وسننه. ولقد تحدث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الطب والصحة والمرض، والوقاية من العدوى وفي فضائل الأطباء، بل إن بعض الكتب التي جمعت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تعتبر بلغة العصر (دائرة معارف للطب النبوي) تضمنت المفاهيم الوقائية والعلاجية من منظور إيماني إسلامي. ولا يمكن مثلا أن ننسى ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن حيث أنه لا يمكن من أن المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء، وبقيت هذه المقولة الشريفة تحتل مكانها الرفيع في الممارسة الطبية طيلة العصور الإسلامية.
الطب الوقائي في الإسلام
هو المنهاج العام الذي يتضمن الأوامر والنواهي التعبدية للفرد المسلم والتي تهدف إلى وقاية الفرد والمجتمع من الأضرار السلبية للأمراض والتي تحدث نتيجة الممارسات الخاطئة على مستوى الفرد والمجتمع ومن ثم فهو ينقسم إلى قسمين:
التعاليم الخاصة بالفرد.
التعاليم الخاصة بالمجتمع والبيئة المحيطة.
خصائص الطب الوقائي في الإسلام
السبق المبكر: سبق الإسلام غيره في إرساء قواعد الطب الوقائي بأكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان.
المصداقية: حيث أصبحت تعاليم الإسلام هي عين القواعد الصحية التي يسعى العلم الحديث لتحقيقها.
البساطة واليسر في التكليف والتنفيذ.
لا تستلزم مؤهلات صحية بعينها.
الذاتية في التنفيذ لأنها أمور تعبدية فلا تحتاج إلى مراقبة.
الشمولية: حيث أنها تتعامل مع الإنسان ككل روحيا وبدنيا.
سد المنافذ إلى الأمراض بتحريم بعض الأطعمة والأشربة (الخمر – لحم الخنزير) والممارسات الجنسية الخاطئة (الزنا واللواط)
الحماية من الأوبئة: بمنع إختلاط المريض بالسليم.
الديمومة باعتبار التعاليم الصحية أمرا تعبديا يمارسه المسلم طيلة حياته.
آليات الطب الوقائي في الإسلام
1-المستوى الفردي
يبدأ الإسلام الاهتمام بصحة الفرد قبل أن يكون جنينا في بطن أمه وذلك بانتقاء الشريك الصالح لإنتاج ذرية طبية. وجاء في الحديث النبوي الذي رواه البخاري وصححه الحاكم في المستدرك ورواه البيهقي عن السيدة عائشة رضي الله عنها مرفوعا: (تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم).
الإعجاز العلمي في الحديث:
هذه لفتة كريمة من الرسول صلى الله عليه وسلم في مجال الوقاية من الأمراض الوراثية أثبت العلم الحديث صحتها فلم يغفل الإسلام التحذير من الوقوع في الأمراض التي تأتي عن طريق الوراثة كالأمراض العقلية وبعض التشوهات الخلقية التي تبرز عادة بشكل واضح في عادة الاقتصار في الزواج على الأقارب وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال "غربوا النكاح"
والحديث أمر بالاحتياط وذلك باختيار الصفات الخلقية والخلقية قبل الزواج وهذا يتحقق في عصرنا الحاضر بفحص المرشحين للزواج في عيادات الاستشارات الوراثية ضمانا لحسن الاختيار. وفي مثل هذه الحالات فإن الاختيار الوراثي لدى عيادات الاستشارات الوراثية يمنع أي ضرر وراثي محتمل قبل الزواج .
وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخير بأي طريقة متاحة ومعلوم أن أحاديث الرسول رسالة لبني البشر في كل زمان ومكان فقوله صلى الله عليه وسلم لنا الآن "تخيروا لنطفكم" نفهم منه التخير في الشكل وفي الدين وفي الحسب والاستشارة الوراثية أيضا قول رسول الله تخيروا لنطفكم إشارة نفهم منها أن الاستشارة الوراثية في عصرنا الحاضر واجبة شرعا فهى تقي الذرية من الأمراض الوراثية التي تنتقل في زواج الأقارب والأباعد .
وما إن تستقر النطفة في رحم المرأة، وتبدأ مرحلة تكوين الجنين في بطن أمه حتى يوصي الإسلام بالعناية بالحامل عناية كبيرة من أجل سلامتها وسلامة جنينها، فيأمرها بالأخذ بالأسباب العلاجية، والوقائية، والنفسية، والروحية، لدرجة أنه يعفيها من فريضة الصيام أثناء الحمل، كما أنه يحثها على قراءة القرآن، والدعاء المستمر، فقد أثبتت التجارب العلمية والعملية أن المرأة المتزنة، والمطمئنة نفسيا، يتصف وليدها بطبيعة هادئة ومتزنة على عكس المرأة المضطربة نفسيا والتي تمارس العادات السيئة.
وبعد الولادة يستقبل الطفل بالفرح والبشارات ومع بداية هذه المرحلة الهامة من حياة الطفل الذي يكون فيها جاهزا لكل ما يعرض عليه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الصفات، سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبدأ هذه المرحلة بغرس جذور العقيدة وكلمة التوحيد والشهادة من خلال الآذان في أذن المولود اليمنى. فقد أذن النبي الكريم في أذن الحسين بن علي، فعن عبيد الله بن أبي رافع قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسين حين ولدته فاطمة". وحين يبلغ الطفل يوم سابعه يوصي الرسول صلى الله عليه وسلم بتكريمه والاحتفاء به حين يقول: "مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دما، وأميطوا عنه الأذى".ويحلق شعره ليماط الأذى عن رأسه وفي هذا اليوم أيضا ندب عليه الصلاة والسلام تسمية الطفل واختيار الاسم الحسن له حيث قال عليه أفضل الصلاة والسلام: "أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله، وعبد الرحمن" فكانت هذه أيضا مكرمة للطفل تساعده على الابتهاج حين يدعى باسم حسن، وتجنبه الاعتزال والخجل فيما لو أسماه اسما قبيحا. ومن أجل ذلك حرص عليه السلام على إبدال الأسماء القبيحة بأسماء حسنة، كما بين لنا أحب الأسماء وأصدقها، وأقبحها. وهكذا تتدرج العناية بالطفل والاهتمام به، وتربيته بكل أنواع التربية الشاملة من خلال توجيهات نبوية كريمة في كل مرحلة من مراحل نمو الطفل نفسيا، وجسديا، بدءا من التربية العقدية السليمة، ومرورا بالتربية الاجتماعية والخلقية، والعاطفية.
الرضاعة الطبيعية
يقول الله تعالى: "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة" (البقرة: 233).
الإعجاز العلمي في الآية:
دعا الإسلام إلى الرضاعة الطبيعية، وفي كل يوم يكشف لنا الطب الحديث عن مزاياها في توفير القوة والمناعة الطبيعية وبناء الجسم السليم،وقد بدأت الصيحات التي تتعالى في الغرب تزداد يوما بعد يوم تهيب بالأمهات أن يعدن إلى الرضاعة الطبيعية وأهمية حليب الأم بعد دراسات علمية كثيرة أكدت هذه الميزات.
عندما نركز اهتمامنا على حليب الأم، وعندما نستحث الأمهات على إرضاع أطفالهن حليبهن فإننا ندعوهن إلى الفطرة، فهذا الحليب الذي أجراه الله في صدر المرأة ما خلقه الله عبثا تعالى الله ولكن كما يقول جل شأنه "إنا كل شئ خلقناه بقدر" (القمر: 49)، ويقول كذلك: "فقدرنا فنعم القادرون" (المرسلات: 23)
مزايا حليب الأم
قبل أن نعرج على مزايا حليب الأم لابد أن ننوه أن جميع أنواع الحليب المتوفرة في السوق إلا ما ندر هي حليب حيواني المصدر، يؤخذ عادة من الأبقار وتجري عليه بعض التعديلات التي يحاول بها العلماء جاهدين مضاهاة حليب الأم. ومع هذا تظل هناك فروق قائمة بين الحليب المعدل (الحليب الصناعي) وحليب الأم.
إن مزايا حليب الأم كثيرة نوجز بعضها في النقاط التالية:
1-مزايا في التركيب (النوعية):
إن حليب الأم يختلف عن الحليب المعدل، حتى بعد إجراء التعديلات كافة عليه، فكمية البروتينيات والأملاح في الحليب المعدل لا تزال أعلى بكثير منها في حليب الأم وهذه الزيادة ليست محمودة، فارتفاع كمية الأملاح يزيد من الجهد الواقع على كلى الرضيع لطرح هذه الأملاح خارج الجسم.
أيضا البروتينيات الموجودة في الحليب المعدل هي أكبر كمية، وتختلف نوعيا عن تلك التي في حليب الأم. فهي أعسر هضما لما تكونه من خثارة كبيرة الحجم نسبيا في معدة الطفل الرضيع بعد تناوله الحليب المعدل، وهذا الحليب المتخثر أعسر هضما وبالتالي فإن الطفل الرضيع يتقيأ جزءا كبيرا من الحليب المتناول. أضف إلى ما سبق أن تناسب بعض الأملاح في حليب الأم كالكلسيوم والفسفور هو تناسب مثالي يجعل امتصاص كل منهما عاليا جدا، فلا يعيق أحدهما امتصاص الآخر كما هو الحال في الحليب المعدل لاختلاف النسبة بينهما.
2-النظافة والتعقيم:
حليب الأم السليمة يخلو من أي جرثومة، وذلك أنه يتدفق من جسم الأم إلى فم الطفل فلا مجال لتلوثه. بعكس الحليب الذي يحضر في عدة أوان ويمر بعدة خطوات من غلي الماء وتبريده ومزج الحليب بالماء …. الخ وكل خطوة من هذه الخطوات قد تكون مصدرا من مصادر تلوث الحليب لذا فإن معدل إصابة الأطفال الذين يتناولون مثل هذا الحليب الذي يحتاج إلى عدة خطوات في التحضير والإعداد عال نسبيا، كما أن مجال الخطأ في كمية الحليب المضافة إلى الماء من زيادة أو نقص أمر وارد الحدوث عند تحضير الوجبة مما يضر بالرضيع في كلتا الحالتين.
3-مقاومة الأمراض:
يحتوي حليب الأم المتدفق في الأيام الأولى بعد الولادة (حليب اللبأ )على كميات كبيرة من الأجسام المضادة والخلايا البيضاء والأنزيمات والخمائر وبعض البروتينيات التي تقي الطفل كثيرا من الأمراض، وهذه الميزة مقتصرة على حليب الأم فقط.
4-اليسر وسهولة التحضير:
حليب الأم يسهل الحصول عليه، ولا يحتاج من الأم جهدا في التحضير سواء في الليل أو النهار، داخل أو خارج البيت يقارن هذا بالوقت والجهد اللازم لتحضير وجبة حليب مع ما يلزم من "معدات" التحضير، خصوصا خارج البيت، أو تحضير وجبة حليب لطفل جائع بعد منتصف الليل إن حليب الأم يتدفق من جسم الأم إلى فم الطفل بدرجة حرارة مناسبة فلا يحتاج إلى تسخين.
5-التكلفة الاقتصادية:
إن التكلفة الاقتصادية الشهرية لعائلة ترضع طفلها حليبا حيوانيا معدلا لا تقارن بما تكلفه الرضاعة الطبيعية التي لا تكلف شيئا إضافيا البتة.
6-حليب الأم معقم ومعقم:
حليب الأم يحتوي على مواد تعقم أمعاء الرضيع والوليد من الجراثيم الضارة كما أن حليب الأم يحمي الرضيع من الإمساك الذي ينتشر بين الأطفال الذين يتناولون حليبا معدلا.
7-حليب الأم يساعد الرضيع على الشبع بطريقة مضبوطة:
إذ تزداد كمية لدهون في الجزء الأخير من حليب الأم المتدفق أثناء وجبة الرضاعة، وهذه الدهون التي تختلف نوعا وكما عنها في الحليب المعدل تمنح الرضيع الشعور بالشبع.
8-الراحة النفسية والإشباع العاطفي:
إن الرضاعة الطبيعية تعطي الطفل شعورا بالأمان أثناء حمل أمه له، وإرضاعها إياه، وهذا الترابط العاطفي يزداد بين الأم والطفل يوما بعد يوم وهو مهم جدا في تكوين الطفل من الناحية العاطفية والسلوكية.
9-التحسس:
الأطفال الذين يتناولون حليبا معدلا حيواني المصدر معرضون للإصابة بأمراض مقتصرة عليهم فقط مثل عدم احتمال حليب البقر أو الإصابة بالتحسس لحليب البقر. كما أن أمراضا أخرى كالأكزيما ومغص الرضيع أكثر شيوعا عند مثل هؤلاء الأطفال.
10-حليب الأم أكثر أمانا وسلامة من الحليب المعدل:
وذلك لتدنى نسبة الأمراض التي قد تصيب الرضيع في الحالة الأولى عنها في الحالة الثانية. توجد في لبن الأم خلايا حية منها الخلايا اللمفاوية والحبيبية والبلعمية مما يساهم بشكل فعال في اكتسابه لخاصية مقاومة العدوى. وتصل نسبة هذه الخلايا إلى أعلى معدلاتها في مادة اللبأ الصفراء التي يفرزها الثدي لمدة ثلاثة أيام قبل أن يتكون اللبن نفسه. ويبدو أنها تفرز مجموعة من الأنزيمات والبروتينيات المقاومة للفيروسات والبكتريا :
اللاكتوفيرين: مادة بروتينيةتساعد على تماسك الحديد ولها تأثير فعال في وقف نمو الكثير من أنواع البكتريا العقدية والعنقودية.
الليزوزايم : نوع من الأنزيمات يؤدى إلى تحلل البكتريا وتفسخها. وهو متوفر بنسبة تزيد آلاف الأضعاف عن نسبة توفره في لبن البقر.
الأنترفيرون يعمل على شل حركة أنواع معينة من الفيروسات .
كما تتوفر في مادة اللبأ الصفراء بروتينيات الجلوبيولين ذات المناعة وذلك بكميات كبيرة وتأثيرها في مقاومة بعض أنواع البكتريا يعتبر فعالا .
البوكسيد اللبني في لبن الأم يتفاعل مع بيرو كسيد الهيدروجين وأيونات النيوسيانيت وبذلك يوقف نمو البكتريا العقدية ..
وأخيرا تساعد بعض المكملات وبخاصة C3 على ازدياد قدرة الخلايا البلعمية على قتل البكتريا.
والأمراض التي قد تشيع بين الأطفال الذين يرضعون حليبا معدلا هي :
الإلتهابات المعوية الحادة والمتكررة.
أمراض سوء التغذية.
توقف النمو والهزال.
لين العظام (الكساح).
بعض أنواع الجفاف (Hyperosmolar Dehyration) .
أمراض نقص الكلس مثل: (Neonatal Tetatny) .
سوء الامتصاص (Malabsorption) .
هذه مزايا الحليب الطبيعي ومردوده على الطفل الرضيع أما الرضاعة الطبيعية بالإضافة لهذا فإنها تعود بالنفع على الأم وذلك:
يمنح الإرضاع الطبيعي الأم راحة نفسية وطمأنينة تغمرانها، ويسبغ عليها ثقة بنفسها تملأ عليها إحساسها باكتمال أنوثتها وأمومتها.
أن الإرضاع كفيل عند معظم النساء بالعمل كإحدى وسائل منع الحمل طيلة فترة الرضاعة، وهذا يقى الأم من الإجهاد الناجم عن تكرار الحمل في فترة قصيرة. وهو أيضا يعين الأسرة على تنظيم الإنجاب، كما أنه يعطي الطفل فرصة كافية من التغذية الجيدة من حليب الأم، والغذاء العادي، مما يقيه أمراض سوء التغذية. ومهم جدا أن نعلم أن المصادر الطبية تنصح بالرضاعة لمدة سنتين.
لقد أظهرت بعض الدراسات الطبية أن معدل إصابة النساء بسرطان الثدي أعلى عند النساء اللواتي لم يرضعن أطفالهن إذا ما قورنت بالمرضعات وهذه النسبة تقل كلما ازدادت معدلات الإرضاع.
أن الإرضاع في الأيام الأولى التي تلي المخاض يساعد الأم على وقف نزيف دم الولادة، وذلك أن الرضاعة تحث الغدة النخامية على إفراز مواد تزيد من انقباض عضلات الرحم مما يمنع النزيف.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: إلى متى ينبغي أن تمتد فترة الرضاعة الطبيعية؟
والجواب على ذلك أن الرضاعة خلال الستة شهور الأولى من حياة الطفل مسألة ذات ضرورة قصوى. إلاأن امتدادها إلى عامين يعتبر أمرا مرغوبا فيه في كثير من الحالات كما ورد في القرآن الكريم والحديث الشريف. وفي هذا الصدد، نشرت منظمة الصحة العالمية تقريرا تحت عنوان: "دليل علاج حالات الإسهال الحادة "ضمن برنامجها لمقاومة، أمراض الإسهال، جاء فيه ما يلي:
إن الاعتماد المطلق على تغذية الطفل عن طريق الرضاعة الطبيعية لمدة تتراوح من أربعة إلى ستة شهور كلما رغب الطفل في ذلك والاستمرار في هذه الرضاعة إلى أن يبلغ عامه الثاني لمن الأمور ذات الأهمية البالغة في الوقاية من حالات الإسهال التي تصيب الأطفال في هذه المرحلة من عمرهم. ويعتبر لبن الأم أفضل غذاء يمكن تقديمه للطفل لما له من خواص تكسب الطفل مناعة من الأمراض المعدية بما في ذلك الإسهال .ويعتبر جيليف وغيره من الأطباء المشهورين من المؤيدين لفكرة استمرار الرضاعة فترة العامين كلما أمكن ذلك. وهكذا نجد أن الغرب قد توصل بعد سلسلة طويلة من الأبحاث المضنية إلى ما أمر به القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرنا.

الرعاية الروحية والبدنية للطفل
يوجب الإسلام تعهد الطفل بالرعاية الروحية والبدنية منذ بدء نشاطه الحيوي.
روي مسلم وأحمد والترمذي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر".
الإعجاز العلمي في الحديث:
تقوم الصلاة كمجموعة حركات ذات ضغوطات متغيرة بتنشيط وتقوية النسيج العظمى والغشاء الغضروفي والأوتار والعضلات مما يساعد على الوقاية من وهن العظام وفي نفس الوقت فإن بداية التناقص تحدث عند سن العشرين ولذا فإن أمر الإسلام بالالتزام المبكر بالصلاة يعني دخول العظام مرحلة التنشيط الحيوية وبالتالي اكتساب القوة والمتانة حتى قبل بدء التناقص العظمي مما يحد من هذا التناقص بعد ذلك.
اللياقة البدنية وهىتستلزم التدريب منذ الصغر، وقد روي الطبراني عن مصعب بن سعد عن أبيه النبي صلي الله عليه وسلم قال: "عليكم بالرمي فإنه خير لعبكم" وقال: "علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل". وروي أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فسابقته على رجلي فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال هذه بتلك".
الإعجاز العلمي في الأحاديث:
التدريب منذ الصغر يفيد اكتمال نمو الجسم والتخلص من الطاقة الزائدة وبالتالي البعد عن السمنة التي هي مصدر رئيسي من مصادر الأمراض كما أن هذه الأنواع من الرياضات مثل الرمي والسباحة وركوب الخيل تشارك فيها معظم عضلات الجسم وعظامه مما يسمح بتقويتها ونموها النمو السليم.
الحياة الصحية في بيئة نظيفة وهواء نقي طلق: من عوامل بناء الصحة فكان النبي عليه الصلاة والسلام يحب ان يصلي في البساتين الترمذي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: "كان النبي يستحب الصلاة في الحيطان".
التغذية السليمة: تساعد على بناء البدن فكان النبي عليه الصلاة والسلام يوصي باللبن واللحم وتنظيم الوجبات حتى يكون الغذاء مصدرا للصحة وليس سببا للمرض. وسوف نتعرض لها بالتفصيل فى موضعها.
الفصل الثانى
الطهارة والنظافة في الإسلام
الأهداف التربوية :
بعد دراسة هذا الفصل من المتوقع أن يكون الطالب قادراً على أن :
يستنتج العلاقة بين النظافة والإسلام والإيمان .
يستنتج مصادر الأضرار التي تصيب الجلد وأهمية النظافة الخارجية في الحفاظ على الجلد.
يستنتج الفوائد الطبية على الجلد والجسم كله من تكرار الاغتسال.
يستنتج مفاهيم الطب الوقائي التي تعود على المسلم من الوضوء.
يذكر الآيات الكريمة التي تحث على الطهارة وفضل المطهرين .
يذكر الأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد على الوضوء والطهور قبل الصلاة.
يستنتج الإعجاز العلمي في تدليك الأعضاء والتخليل في الوضوء والغسل.
يدرك الهدي النبوي الشريف في النظافة الموضوعية ( اليدين – الرجلين – الأنف – الأذن – العينين).
الطهارة والنظافة في الإسلام
النظافة من الإيمان لا تتم الصلاة إلا بها، والصلاة من أهم أركان الإسلام الخمسة التي بنى عليها، كما أن النظافة وقاية من الأمراض والأوبئة المعدية. تعد نظافة الأقسام الظاهرة من الجسم أساسا في طهارته والتي يعتبر فيها الجلد الدرع الواقي المتين، والحصن المكين لما تحته من الأنسجة والأعضاء. وهو عرضة لملامسة مواد متنوعة من غبار وجراثيم وفضلات ورواسب وأوساخ سواء منها الأقذار الخارجية التي تأتيه من المحيط والبيئة، أو الأدران البدنية التي تنجم عن تراكم مفرزاته المختلفة، من عرق وزهم (مادة دهنية يفرزها الجلد) وما إلى ذلك تجتمع على سطحه فتولد الأقذار الكريهة والروائح القبيحة وقد تسد الأوساخ مسام الجلد فتحدث أمراضا عامة وموضعية.
والطهارة فى الإسلام تشمل ركيزيتين أساسيتين هما الغسل والوضوء.
وقد اهتم الإسلام اهتماما كبيرا بنظافة جسم الإنسان ويظهر لنا هذا الاهتمام جلبا في تشريعاته السامية، المتمثلة في إيجاب الوضوء والغسل، والأمر بغسل اليدين قبل الأكل وبعده وغسل الثياب وتطهيرها، وما إلى ذلك، وربط ذلك بالعبادات الفردية والجماعية، توكيدا لإصرار الإسلام على الربط المتكامل بين الجسم والروح.
وقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في منهج الطب النبوي، الطب كعلم وإيمان، ففي الصلاة وطبقا لأوامر القرآن الكريم يلزم الغسل للجنب والوضوء لغيره وهما من أكبر مفاهيم الوقاية.وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم كيفية كلا منهما بالتفصيل قولا وفعلا والمتأمل فى ذلك يجد العديد من أوجه الإعجاز التى سبقت فى ترسيخ مفاهيم الطب الوقائى الذى لم تكن تدرى عنه البشرية شيئا.
أوجه الإعجاز العلمى فى الغسل والوضوء:(الإسباغ – التخليل – التدليك – التكرار)
الوضوء
شرع الله الوضوء وجعله فرضا على كل من يريد الصلاة وكذلك الغسل من الجنابة فقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم، وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا " (المائدة: 6). وقال النبي عليه السلام: "لا يقبل الله صلاة إلا بطهور " (رواه ابن ماجة)، وقال: "لا صلاة لمن لا وضوء له" (رواه ابن ماجة)، وقال: "مفتاح الصلاة الطهور" (رواه أبو داوود). وقال صلى الله عليه وسلم "الطهور شطر الإيمان" (رواه مسلم)وقال: "تخللوا فإنه نظافة، والنظافة تدعو إلى الإيمان والإيمان مع صاحبه في الجنة ".وقال: "حبذا المخللون من أمتي، قيل وما المتخللون يا رسول الله؟ قال المتخللون في الوضوء والمتخللون من الطعام، أما تخليل الوضوء فالمضمضة والاستنشاق وبين الأصابع، أما تخليل الطعام فمن الطعام أنه ليس شىء أشد على الملكين من أن يريا بين أسنان صاحبهما طعاما وهو قائم يصلي".
كما أن الوضوء بالماء يقي الوجه مما يعلق به ويقي العينين مما يصيبها ويلوثها، وينظف الأنف من إفرازاته التي التقطت أثناء التنفس من الأوساخ التي قد تذهب إلى القصبات، فالقصبات الرئوية، فالرئة. كما أن غسل الأذنين يزيل ما يتراكم فيها من إفرازات تفرز في الأذنين لاصطياد الجراثيم، والضرر الذي يمكن أن يلحق بالأذنين ويؤدي إلى التهابهما كما أن عملية الوضوء تنشط الدورة الدموية لاستحسان تدليك الأعضاء التي يجرى غسلها في أثناء الوضوء.
الاغتسال
لا تقتصر فائدته على نظافة الجلد فحسب، بل يكون داعيا لنشاط الجسم كله. ذلك أنه عندما يفيض الإنسان بالماء على عضو من أعضاء جسمه، فإنه يجذب الدم إلى العضو المغسول بقوة، فتنشط الدورة الدموية في الجسم كله، ويترافق ذلك بتخفيف احتقان المخ وسائر أجزاء الجملة العصبية المركزية فتنتبه، مما يبعث نشاطا في الجسم كله.
الإعجاز العلمي في تدليك الأعضاء والتخليل في الوضوء والغسل:
يؤدي التدليك والتخليل إلى الضغط على نقاط معينة تؤدي بالتالي إلى تنشيط وتوازن الأجهزة الداخلية ويستثير القدرة الشفائية الذاتية للجسم وهذا هو الأساس الذي قامت عليه نظريات العلاج بالإبر الصينية والحجامة والتدليك. كما أن التدليك يؤدي إلى تخفيف التوتر اليومي والشعور بالإسترخاء والراحة وتنشيط الدورة الدموية وقد توصل العلماء إلى أن سقوط أشعة الضوء على الماء أثناء الوضوء يؤدي إلى إنطلاق أيونات سالبة ويقلل الأيونات الموجبة مما يؤدي إلى استرخاء الأعصاب والعضلات ويتخلص الجسم من ارتفاع ضغط الدم والآلام العضلية وحالات القلق والأرق وهنا يبرز الإعجاز في حديث الرسول ص (إذا غضب أحدكم فليتوضأ) حيث أن هذا التدليك يؤدي إلى إفراز مادة الأندورفين المسكنة وأيضا عملية التخليل المتكررة تؤدي إلى التخفيف من أوجاع الرأس والصداع لتنشيط مسارات الطاقة الفسيولوجية كما يحدث مثل ذلك في الغسل حيث يتم التدليك من أعلى إلى أسفل … ويؤكد ذلك أحد العلماء الأمريكيين في قوله: إن للماء قوة سرية بل إن رذاذ الماء على الوجه واليدين يقصد الوضوء هو أفضل وسيلة للاسترخاء وإزالة التوتر.

فسبحان الله العظيم
وصح أن عثمان رضي الله عنه دعا بوضوء فافرغ على يديه من إنانه، فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء ثم تمضمض واستنشق واستنثر (أخرج الماء من أنفه بالنفخ)، ثم غسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرفقين ثلاثا، ثم مسح برأسه، ثم غسل كل رجل ثلاثا، ثم قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتوضا نحو وضوئي هذا (رواه البخاري).
فالآية والحديث طلبا من المسلم الذي يريد الصلاة غسل الوجه واليدين، والرجلين، ومسح الرأس، وأضاف الحديث إلى تنظيف الفم بالمضمضة، وتنظيف الأنف بالاستنشاق والاستنثار. وبذلك يتحقق غسل الأعضاء الظاهرة التي يكثر تعرضها للتلوث كما أشرنا أنفا. وقد يتعدد ذلك بعدد الصلوات في اليوم والليلة لمن انتقض وضوؤه قبل كل صلاة وهكذا يؤكد الإسلام على هذا الإنسجام الكامل والتوافق التام بين طهارة الروح وطهارة الجسد، فهذه الطهارة الجسدية التي هي الوضوء، مفتاح للطهارة الروحية التي هي الصلاة، وفي ذلك ضمان للصحة النفسية للمسلم، فليس هناك أي صراع أو فصام بين الروح والجسد، وإنما هما عنصران متكاملان يتخلل كل منهما الآخر، كما يدل على ذلك الحديث التالي: "إذا توضأ العبد المسلم فتمضمض خرجت الخطايا من فيه (فمه)، فإذا استثتر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار (أطراف أجفان) عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه، حتى تخرج من تحت أظافره، فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من تحت أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه (رواه مسلم). ولم يهمل الإسلام حالة من لم ينتقض وضوئه، إذ قد يكتفي بالوضوء مرة أو مرتين في اليوم والليلة، بل حثه على تكرار وضوئه وتجديد نظافته. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة (رواه الترمذي). وإذا كان لم يوجب ذلك على أمته، فإنه قد رغب فيه فقال: "لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن (رواه الدرامي)، وقال: "من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات" (رواه الترمذي). كذلك دعا الإسلام إلى الوضوء في عديد من المناسبات الأخرى، غير مناسبة الصلاة. فقد طلب من الجنب الوضوء إذا أراد الأكل أو النوم.
والجنب هو من باشر العملية الجنسية، أو نزل منه المني ولو لم يباشر العملية الجنسية. والجنابة تستلزم الغسل أي غسل البدن كله. وعلى الرغم من ذلك نرى تشجيع الجنب على الوضوء ريثما يغتسل. فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الجنب هل ينام أو يأكل أو يشرب فقال: "نعم! إذا توضأ وضوئه للصلاة" (رواه ابن ماجة)، وضرب المثل لأمته بذلك فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم "إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوئه للصلاة" (رواه مسلم). كما طلب الإسلام من الرجل إذا اتصل بزوجته جنسيا، ثم أراد أن يباشر هذه العملية مرة ثانية، أن يتوضأ قبل المباشرة الثانية. ففي الحديث "إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود فليتوضأ" (رواه مسلم). وفي هذا تطهير للأعضاء مما يكون قد علق بها من أدران منعا لإنتشار العدوى في الإتصال الثاني. كذلك يسن الوضوء قبل النوم، ففي الحديث: "إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة" (متفق عليه). كما يسن الوضوء عند الغضب ومن مس الميت ومن حمله وعند قراءة القرآن والحديث وعند تلقي العلم ودخول المسجد والآذان والخطبة وزيارة القبور وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإسباغ الوضوء وهو إتمامه وإحسانه حتى يوفى كل عضو حقه من النظافة فقال في حديث له: "اسبغوا الوضوء" (رواه أبو داوود) وقال: "إسباغ الوضوء شطر الإيمان" (رواه ابن ماجة). حتى إن "رجلا توضأ فترك موضع ظفر عن قدمه، فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فأحسن وضوءك" (رواه مسلم). ومن هذا كله نرى "أنه لا يكاد يعلق بالجسم بعض لإفرازاته أو شىء من الأتربة أو الأقذار من خارجه، إلا ويأتي الوضوء على عجل فينزعها عن جسم الإنسان فيسلم بدنه ويألفه من يجاوره ولا يتأذى أحد من قذراته وهكذا نجد أن الوضوء هو الضمانة الأكيدة لنظافة البدن ونصرته، ونقائه وصفائه.
النظافة الموضعية
ويختلف إجراء هذه النظافة بحسب موضعها والعضو المطلوب نظافته، لذلك تقسم بحسب تلك النواحي على الوجه الآتي:
أ-غسل اليدين: يجب أن تغسل اليدين عند ملامسة كل شىء قذر أو ملوث وكذا قبل الطعام على كل حال، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أراد أن يأكل غسل يديه" (رواه النسائي) وبعد الطعام إن لزم الأمر فقد قال عليه السلام: "من بات وفي يداه ريح غمر (دسم) فأصابه شىء فلا يلومن إلا نفسه" (رواه الترمذي) وقد صح أنه عليه السلام "أكل كنف شاه فمضمض وغسل يديه" (رواه ابن ماجة).
ويتصل بنظافة اليدين وجوب تقليم الأظفار، درءا لتجمع الأوساخ تحتها، ودفعا لما قد ينشأ من الأضرار. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "خمس من الفطرة: الختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وأخذ الشارب" (رواه النسائي). والقاعدة الصحية في التقليم أن يكون بحسب شكل الأظفار، أي يقص منها الزائد عن الجلد، لا أكثر ولا أقل والأوفق أن يكون تقليم أظفار الأرجل مربعا لا مدورا، لتبقى زويا الظفر بارزة عن الجلد قليلا حتى لا تنشب فيه.
ثم إنه ينبغي إتقان غسل اليدين في الوضوء، فقد قال النبي عليه السلام: "إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك" (رواه الترمذي).
ب-نظافة الأرجل: لا بد من العناية بنظافة هذه الأطراف يوميا، بغسلها جيدا بماء غزير، مع الإنتباه إلى عدم ترك أي جزء منها دون غسل، بما في ذلك المناطق التي بين الأصابع، والتي كثيرا ما تكون عرضة للتعطن ونمو الفطريات المؤذية وهذه النظافة البالغة هي ما أكد عليها الإسلام، فقد قال النبي عليه السلام: "ويل للأعقاب من النار .. اسبغوا الوضوء" (رواه أبو داوود) وقال: "اسبغ الوضوء وخلل بين الاصابع" (رواه ابن ماجة)، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا توضأ، يدلك أصابع رجليه بخنصره" (رواه أبو داوود).
ج-نظافة الفم: وأهم ما في هذه النظافة الإكثار من غسل الفم أو المضمضة. وقد تقدم أن المضمضة جزء من الوضوء فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا توضأت فمضمض" (رواه أبو داوود). كما تنبغي المضمضة بعد كل طعام وبعد تخليل الأسنان لرفع بقية الطعام، فقد قال النبي عليه السلام: "مضمضوا .. من اللبن، فإن له دسما" (رواه أبو داوود) ويعني ذلك طلب المضمضة من كل ما فيه دسم. وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم "أكل كتف شاة فمضمض"، كما أنه خرج مرة مع أصحابه إلى خيبر "ثم دعا بأطعمة، فلم يؤت إلا بسويق فأكلوا وشربوا ثم دعا بماء فمضمض فاه" (رواه ابن ماجة) والسويق: طعام من دقيق الحنطة أو الشعير.
والأمر الثاني المهم في المحافظة على صحة الفم هو السواك. وهو عامل أساسي في تطهير الفم وتنظيف الاسنان. والمراد بالسواك عموما تنظيف الأسنان، ويكون ذلك بدلكها بالإصبع، أو بمسواك من عود الآراك، أو بفرشاة خاصة، وسط في الصلابة، فلا تكون قاسية تدمي اللثة وتخدش الأسنان، ولا لينة لا تنفع مطلقا. ويشترط في هذا السواك أن يجري بلطف وتؤدة، وأن يكون عاما شاملا ينظف الأسنان من كل ما يبقى عالقا فيها.
ومن الأفضل أن يتابع هذا السواك بعد كل طعام إن أمكن، حتى ولو كان فىعجالة، وقبل النوم على كل حال. ويستحسن السواك كذلك عند القيام من النوم، لأن تكاتف اللعاب في الفم أثناء النوم ولا سيما إذا كان الشخص عرضة لبقاء فمه مفتوحا مدة طويلة أو قصيرة أثناء نومه يخدم الجراثيم ويسهل تكاثرها في الفم، فمن الضروري التخلص منها عند القيام من النوم.
وقد اهتم الإسلام اهتماما كبيرا بنظافة الفم، حيث طلب من المسلم طلبا مؤكدا ان يستخدم عودا من آراك ونحوه من كل خشن (كالفرشاة) لإزالة ما علق بالأسنان والفم من أوساخ وروائح كريهة وأكد على السواك عند القيام للصلاة وعند النوم وعند القيام منه، وعند الجوع، وعند تغير الفم. كما أكد على تنظيف الفم بالمسواك (أو الفرشاة) لمن أراد حضور صلاة الجمعة، ويقاس على الجمعة من أراد حضور مجمع من الناس.
يدل على ما تقدم ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تسوكوا فإن السواك مطهرة للغفم، مرضاة للرب، ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك حتى لقد خشيت أن يفرض على وعلى أمتي ولولا أني أخاف أن أشق على أمتي لفرضته لهم وإني لأستاك حتى لقد خشيت أن أخفي مقادم فمي (أي أزيل جزءا من اللثة لكثرة السواك" (رواه ابن ماجة). وقال عله السلام: "لولا أنم أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة" (متفق عليه). كما قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" (رواه ابن خزيمة). ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يدخل بيته بدأ بالسواك" (رواه مسلم) وكان إذا قام من الليل يشوص فمه بالسواك" (متفق عليه) وكان يصلي بالليل ركعتين ثم ينصرف فيستاك" (رواه ابن ماجة) وكان لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ (رواه ابو داوود).
الإعجاز العلمى فى السواك:
لو نظرنا إليى السواك من الناحية الطبية لوجدنا أن الآراك هذا النبات الذى يستعمل فى السواك يتكون كيميائيا من ألياف السيليلوز وبعض الزيوت الطيارة وبه راتنج عطري وأملاح معدنية وأهمها: كلور الصوديوم والبوتاسيوم واكسالات الجير. وهذه المواد لها دور فعال في القضاء على البكتريا والجراثيم التي تكثر في الفم وإزالة الجير المتكون والذي يضر باللثة والأسنان.
د-نظافة الأذنين: وقوام ذلك مسح الأذن الظاهرة بالماء، وإخراج الصملاخ منهما، والصملاخ هو تلك المادة الشمعية التي يفرزها مجرى السمع وتتراكم في صماغ الأذن وهو المجرى الذي ينتهي بغشاء الطبل على مدخل الاذن الوسطى.
وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح بأذنيه ظاهرهما وأدخل أصابعه في صماغ أذنيه (رواه أبو داوود) وأنه مسح أذنيه داخلهما بالسبابتين وخالف إبهامه إلى ظاهر أذنيه فمسح ظاهرهما وباطنهما (رواه ابن ماجة).
هـ نظافة العينين: ويكفي في ذلك نظافة الوجه إجمالا بغسله بالماء وحده أو بالماء والصابون مع العناية بنظافة زوايا العينين كالماقين خاصة وهما زاويتا العينين القريبتان من الأنف إذ تجتمع فيهما تلك المفرزات العينية الخاصة وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان يمسح الماقين" (رواه ابن ماجة).
و-نظافة الأنف: يطرد المخاط من الأنف بالاستنثار أو التمخط على أن لا يكون شديدا بل يتمخط بلطف بعد سد أحد المنخرين مناوبة وقد يغسل الأنف بعد ذلك باستنشاق الماء النقي استنشاقا خفيفا ثم استنثاره وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر" (رواه مسلم) وقال "استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا" (رواه ابن ماجة) .
الإعجاز العلمى فى الإستنثار:
قد أثبتت الفحوص الميكروبية التي أجريت على مسحات الأنف التي أخذت بعد الوضوء بساعة أو ساعتين وثلاث وأربع وخمس ساعات وقد أظهرت أن تلوث الأنف بالجراثيم يأخذ في الإرتفاع التدريجي بعد الوضوء ويتزايد مع مرور الوقت حتى يعود لحالته الأولى قبل الوضوء التالي في خلال فترة متوسطها الزمني أربع ساعات وهذه هي المدة التقريبية بين كل وضوء وآخر أما الفحوص التكميلية التي أجريت على أنف المصلين بعمل مزارع ميكروبية لمسحات الأنف التي أخذت تحت ظروف مختلفة فلقد أعطت نتائج أكثر أهمية وقيمة علمية، لقد أظهرت المسحات الميكروبية التي أجريت للمصلين الذين طلب منهم غسيل الأنف دون غسيل اليدين أن جميع أنواع الميكروبات قد قلت كثافتها وانخفضت أنواعها، إلا أنه قد ظهر عند حالتين منها ميكروب جديد هو إيشيريشيا القولون، التي لم تكن موجودة في الأنف قبل الوضوء، والتي جاءت من تلوث اليدين وبهذا يتأكد ضرورة غسل اليدين في أول عملية الوضوء قبل المضمضة والاستنشاق. أما الفحص التكميلي الثاني الذي أجرى على مجموعة المصلين فهو عمل مسحات من داخل الأنف بعد غسل الأنف عند الوضوء مرة واحدة ومرتين وثلاث مرات، والتعرف على نسبة انخفاض الميكروبات بعد كل مرة من الغسيل فظهرت النتائج مظهرة أن محتويات الأنف انخفضت كثيرا بعد الاستنشاق الأول ثم أكثر انخفاضا بعد الثاني ثم أصبحت شبه نظيفة أو خالية تماما من الجراثيم بعد الاستنشاق الثالث. وبهذا يمكن لوصول إلى الاستنتاج المبني على الحقائق والأرقام العلمية الذي يقرر أن غسيل الأنف المتكرر عند الوضوء هو عملية صحية وقائية وعلاجية للتخلص من جراثيم الأنف ومنع تواجدها في مدخل الأنف إلى حالة لتركيز الميكروبي الذي يجعله مصدرا رئيسيا للعدوى وبالتالي التقليل من الأمراض المعدية التي تصيب الإنسان وحمايته من التلوث الميكروبي الذي يسبب التقيح والالتهاب للإصابات والجروح والأعضاء الخارجية والداخلية لجسم الإنسان. ولقد جاء الإسلام كديانة سماوية تهتم بصحة الإنسان وسلامته بحل سهل ميسر لضمان سلامة الأنف وطهارته فأمر بالوضوء عند كل صلاة وفي هذا الوضوء يتم غسل الأنف ثلاث مرات متتالية.
ح-نظافة السبيلين والأعضاء التناسلية: وتكون هذه النظافة على نوعين:
بالاستجمار والاستنجاء فالاستجمار هو مسح المكان الملوث بالورق أو بالحجر أو ما شابه الاستنجاء هو الغسل بالماء. وإنه وإن كان الاستجمار ولا سيما بالورق الهش ينظف ذلك الموضع ظاهرا ولكنها نظافة غير كافية لأن ذرات الورق لا يمكنها أن تحوز المواد العالقة بالجلد تماما أو الداخلة في مسامه الدقيقة أو الباقية في ثنياته مع كثير من الجراثيم أيضا وبقاء هذا القليل لا يؤمن شره للمرة الواحدة فكيف به إذا تكرر؟ لذلك يمكن الاقتصار على ذلك عند عدم وجود الماء فقط ولكن ينبغي تكراره للمبالغة في إزالة البراز فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا تغوط أحدكم فليتمسح ثلاث مرات" (رواه ابن حزام). وإنما لا تكون هذه النظافة تامة كما لو كانت بالاستنجاء بالماء كما قال أنس "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغسل به" (متفق عليه) وكما قالت السيدة عائشة: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من غائط قط إلا مس ماء" (رواه ابن ماجة). حتى إن السيدة عائشة رضى الله عنها قالت تعلم نساء المسلمين: "مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء، فإني أستحييهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله" (رواه الترمذي).
أما طهارة الأعضاء التناسلية في الإناث فتحتاج إلى العناية بها عناية خاصة فتغسل خارجا عند كل تبول أو تبرز مع اجتناب تلوثها بهذه المفرغات أو بآثارها أيضا، لذلك يجب غسلها جيدا. بعد كل بيلة، كما أنه من الأوفق أن تغسل قبل الاستنجاء في حالة التغوط. أما في المحيض فيجب تلقى الدم بخرقة نظيفة جدا أو بالورق الهش الخاص في اليوم مرة أو أكثر بحسب الضرورة وأن تغسل هذه الأعضاء خارجا عند كل تبول.
وقد حث الطب النبوي على التطهر من النجاسة والنجاسة هي اسم أطلق على كل ما هو ملوث بالجراثيم أو على الأقل عرضة لنقل العدوى والمرض إلى الإنسان لذا أمر الإنسان بالتطهر منها كوقاية فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره ولا يمسح بيمينه).
وإعجاز الطب النبوي في هذا الحديث بالنسبة للنهي عن التنفس في الإناء إذا شرب المسلم لأن شارب الماء قد يتنفس في إناء الشرب فيخرج مع نفسه في الزفير ما يخالط الشراب إذ الماء من اللعاب أو من غاز ثاني أكسيد الكربون وربما يغص شارب الماء عند تنفسه لامتزاج النفس والشراب وعدم وجود الهواء الكافي للتنفس، أما النهى عن امس الذكر والتمسح باليمين فلأن اليد اليمنى هى التى تستعمل فى تناول الطعام وقد رأينا آنفا كيف أن البكتيريا تنتقل من هذه الأماكن إلى الفم عن هذا الطريق.
الفصل الثالث
التغذية المتوازنة
الأهداف التربوية :
بعد دراسة هذا الفصل من المتوقع أن يكون الطالب قادراً على أن :
يستنتج الأمراض التي تصيب الإنسان بسبب الإفراط في الغذاء.
يدرك الإعجاز العلمي في الحديث الشريف " المعدة بيت الداء ... "
يستنتج الحكمة من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " أصل كل داء البردة " .
يستنتج الهدي النبوي الشريف في وقاية الطعام من التلوث.
يفسر الحكمة من الصوم في ضوء الحقائق الطبية الحديثة.
يستنتج الإعجاز العلمي في تحريم الخمر والتدخين ولحم الخنزير.
يستنتج الأدلة الشرعية والعلمية التي تحرم التدخين.
يستنتج الأمراض العديدة التي تصيب الإنسان المدخن.
التغذية السليمة
ومن سبل تعزيز الصحة: التغذية الحسنة. فتحري الغذاء الطيب، واجتناب الغذاء الخبيث ضمانة للصحة والله سبحانه بقوله في سورة البقرة (172)
(كلوا من طيبات ما رزقناكم وفيها أيضا (168) كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ويقول عز وجل في صفة النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الاعراف (157) (ويحرم عليهم الخبائث).
والامتناع عن الغذاء الطيب بلا مسوغ مشروع أمر مناف للصحة ولا يسمح به الإسلام يقوله عز وجل في سورة المائدة (87) لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم.
1-التغذية المتوازية كما وكيفا:
أولا: التوازن الكمى:
والتغذية الصحية هي التغذية المتوازنة تحقيقا للميزان الذي وضعه الله في كل شىء وجاء ذكره في سورة الرحمن (7-9) "ووضع الميزان أن لا تطغوا في الميزان …….ولا تخسروا الميزان".
التغذية السليمة هى المتوازنة من حيث الكم فالإسراف في الغذاء مضر بالصحة لما يؤدي إليه بصورة مباشرة من إضطراب الهضم والتخمة ولما يؤدي إليه بصورة غير مباشرة من أمراض فرط التغذية التي يقال لها اليوم "أمراض الرخاء" أو "أمراض التخمة" ومن أهمها "السكري" أو مرض السكر وارتفاع ضغط الدم وأمراض شرايين القلب المحدثة للذبحة والجلطة، وأمراض شرايين الدماغ المؤدية إلى السكتة والفالج، وما إلى ذلك وبذلك تكون المعدة بيت الداء حقا بصورة مباشرة أو غير مباشرة وتكون مسؤولة عن طائفة من أخطر الأمراض وهذا الإسراف في كم الغذاء مخالف لتعاليم الإسلام، إذ يقول الله سبحانه وتعالى في سورة طه (81) "كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه" ويقول( كلوا واشربوا ولا تسرفوا) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المقدام بن معدي كرب الذي رواه الترمذي وغيره: "ما ملأ وعاء شرًا من بطن! بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه أي يكفيه الحد الأدنى من الغذاء الذي يفي باحتياجاته الحيوية الأساسية فإن كان لا محالة وفي رواية: فإن غلبت الآدمي نفسه فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للتنفس" ويقول في الحديث الذي رواه مسلم عن جابر: "طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية".
حديث الثلث:
قال صلى الله عليه وسلم (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا بد فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما.
وجه الإعجاز في الحديث
1-الإفراط في الطعام والشراب شر وخطر على صحة الإنسان.
قد توصل العلم إلى أن السمنة من الناحية الصحية تعتبر خللا في التمثيل الغذائي وذلك يرجع إلى تراكم الشحوم أو اضطراب الغدد الصماء .. والوراثة ليس لها دور كبير في السمنة كما يعتقد البعض وقد أكدت البحوث العلمية أن للبدانة عواقب وخيمة على جسم الإنسان وقد أصدرت إحدى شركات التأمين الأمريكية إحصائية تقرر أنه كلما طالت خطوط حزام البطن قصرت خطوط العمر فالرجال الذين يزيد محيط بطونهم أكثر من محيط صدورهم يموتون بنسبة أكبر كما أثبتت البحوث أيضا أن مرض البول السكري يصيب الشخص البدين غالبا أكثر من العادي كما أن البدانة تؤثر في أجهزة الجسم وبالذات القلب حيث يزداد خطر الإصابة بأمراض قصور الشريان التاجي والسكتة القلبية وارتفاع ضغط الدم كما تحل الدهون محل بعض خلايا عضلة القلب مما يؤثر بصورة مباشرة على وظيفته وأيضا هناك أمراض أخرى لها علاقة بالسمنة مثل دوالي الساقين وفتق المعدة وحصوات المرارة والنقرس وتدهن الكبد والتهابات المفاصل وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حذر من السمنة والتخمة فقال: (المعدة بيت الداء) وحذرت تلك البحوث من استخدام العقاقير لإنقاص الوزن لما تسببه من أضرار وأشارت إلى أن العلاج الأمثل للبدانة والوقاية منها هو إتباع ما أمرنا به الله سبحانه وتعالى بعدم الإسراف في تناول الطعام كما أوضح الحديث الذي نحن بصدده.. وجاء تطبيقا لقوله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) سورة الأعراف: 31 وبهكذا سبق الإسلام العلم الحديث منذ أكثر من أربعة عشر قرنا إلى أهمية التوازن في تناول الطعام والشراب وحذر من أخطار الإسراف فيهما على صحة الإنسان.
2-إقامة الصلب والحد الأدنى للطعام: وهذه أيضا من دلائل الإعجاز العلمي للحديث حيث تشير الحقائق العلمية أن هناك معدل ثابت للطاقة يحتاجه الناس جميعا لإنجاز العمليات الحيوية الأساسية اللازمة لحفظ الحياة وتشغيل الأجهزة وهي تبلغ حوالي 2000 كيلو كالوري وهذا المعدل يمكن تحقيقه بالقليل من الطعام (لقيمات يقمن صلبه).
3-ملء ثلثي حجم المعدة هو الحد الأقصى وهذه الكمية تنتج قدرا هائلا من الطاقة يفي بمتطلبات الأعمال الشاقة ولا ينبغي الوصول إليه إلا في مثل هذه الظروف وإلا تعرض المسلم لأخطار البدانة التي ذكرناها آنفا.
4-التوازن الغذائي بين الطاقة الداخلة إلى الجسم والخارجة منه.
.
2-وقال صلى الله عليه وسلم (أصل كل داء البردة) البردة: التخمة: أخرجه الحافظ السيوطي في الجامع الصغير.
هذا الحديث يعد علامة بارزة في حفظ صحة الجهاز الهضمي، وبالتالي وقاية الجسم كله من التسمم الذاتي الذي ينشأ عن (التخمة) وامتلاء المعدة وتحميلها فوق طاقتها من الأغذية الثقيلة، وعن تناول الغذاء ثانية قبل هضم الغذاء الأول، الأمر الذي يحدث عسر هضم وتخمرات .. وبالتالي التهابات معدية حادة تصير مزمنة من جراء توطن الجراثيم المرضية في الأمعاء التي ترسل سمومها إلى الدورة الدموية، فتؤثر على الجهاز العصبي والجهاز التنفسي، وعلى الجهاز البولي الكلوي وغيره من ذلك من أجهزة حيوية في الجسم، الأمر الذي يسبب اختلال وظائفها. ومن هنا كانت المعجزة الطبية في إمكان التوصل إلى السبب الأساسي لكل داء وهو الإسراف في تناول الطعام الذي يسيب تخمة تؤدي إلى أمراض عديدة كما كشفتها البحوث الطبية الحديثة.
3-وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع، فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم، وضعفت قلوبهم، وجمحت شهواتهم" رواه البخاري.

ثانيا: التوازن من حيث الكيف:

التغذية السليمة هي أيضا التغذية المتوازنة من حيث المحتوى وهي تشتمل على مزيج من مختلف أنواع الأغذية التي أنعم الله بها على عباده لسد حاجة الجسم من البروتينيات والدهنيات والنشويات والأملاح والفيتامينات وغيرها والتي ذكر الله سبحانه معظمها في سورة النحل وهي سورة النعم. إذ فيها قول الله عز وجل في لحوم الحيوانات. والأنعام خلقها: لكم فيها دفء منافع ومنها تأكلون (النحل: 5) وقوله: وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا (النحل: 14)، وفيها قوله في الأغذية النباتية: ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات (النحل: 11) وقوله في اللبن: نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (النحل: 66) وقوله في العسل: يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس (النحل: 69). هذا إلى قوله سبحانه في سورة الحج (36) والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير (وقوله تعالى في سورة الأنعام) (141) كلوا من ثمره إذا أثمر. وقوله تعالي: في سورة يس (33): وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون. ويفضل الإسلام الأغذية الكاملة، فيرجح مثلا استعمال الدقيق الكامل على الدقيق المنخول، كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة عن أم أيمن أنها غربلت دقيقا فصنعته للنبي صلى الله عليه وسلم رغيفا فقال: ما هذا؟ فقالت: طعام نصنعه بأرضنا فأحببت أن أصنع منه لك رغيفا فقال: رديه فيه ثم اعجنيه". وهذه الأغذية الكاملة تحتفظ بالفيتامينات الضرورية لصحة الجسم، وتضمن حسن حركة الأمعاء فتحمي المرء من الإمساك وتقيه من سرطان القولون.
-وتوصى المنظمات الصحية الأمريكية بأن يشكل زيت الزيتون ما لا يقل عن ثلث الدهون المتناولة يوميا، فقد أثبتت الأبحاث العلمية الحديثة فائدة زيت الزيتون في خفض كولسترول الدم، كما أن الدراسات قد أظهرت أن بلدان حوض البحر المتوسط هي من أقل البلدان إصابة بمرض شرايين القلب بسبب كثرة تناول سكانها من زيت الزيتون. هذا الزيت الذي أوصانا رسول الله (عليه وسلم) بتناوله، حيث قال: كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة".
وهي الشجرة التي ذكرها الله تعالى في قرآنه، حيث يقول: "يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية".
ويوصي خبراء التغذية وأطباء القلب في العالم بتناول وجبتين من السمك في الأسبوع على الأقل، والرسول (عليه السلام) قد لفت النظر إلى نعمة السمك، فقال: "أول طعام أهل الجنة زيت كبد الحوت" والسمك والحوت سيان .. فزيت السمك الذي ينصح به الأطباء كعلاج لارتفاع الغليسريدات الثلاثية Triglyceries (وهي إحدى دهون الدم) يستخلص من كبد الحوت نفسه! وتناول السمك لا يفيد في الوقاية من مرض شرايين القلب وارتفاع دهون الدم فحسب، بل إن له فوائد أخرى في علاج صداع الشقيقة ومرض المفاصل نظير الرثوي وغيرها كثير.
2- وقاية الطعام من التلوث:
الحرص على نظافة الطعام والشراب:
قال صلى الله عليه وسلم: "غطوا الإناء وأوكنوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء، لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء، إلا نزل فيه من ذلك الوباء) رواه مسلم عن جابر رضى الله عنه.
الإعجاز العلمى فى الحديث:
لقد أثبت الطب الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الواضع الأول لقواعد حفظ الصحة بالاحتراز من عدوى الأوبئة والأمراض المعدية، فقد تبين أن الأمراض المعدية تسري في مواسم معينة من السنة، بل إن بعضها يظهر كل عدد معين من السنوات، وحسب نظام دقيق لا يعرف تعليله حتى الآن .. من أمثلة ذلك: أن الحصبة، وشلل الأطفال، تكثر في سبتمبر وأكتوبر، والتيفود يكثر في الصيف أما الكوليرا فإنها تأخذ دورة كل سبع سنوات .. والجدري كل ثلاث سنين وهذا يفسر لنا الإعجاز العلمي في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن في السنة ليلة ينزل فيها وباء" .. أي أوبئة موسمية ولها أوقات معينة. كما أنه صلى الله عليه وسلم قد أشار إلى أهم الطرق للوقاية من الأمراض في حديثه: "اتقوا الذر (هو الغبار) فإن فيه النسمة (أي الميكروبات) فمن الحقائق العلمية التي لم تكن معروفة إلا بعد اكتشاف الميكروسكوب، أن بعض الأمراض المعدية تنتقل بالرذاذ عن طريق الجو المحمل بالغبار، والمشار إليه في الحديث بالذر .. وأن الميكروب يتعلق بذرات الغبار عندما تحملها الريح وتصل بذلك من المريض إلى السليم .. وهذه التسمية للميكروب بالنسمة هي أصح تسمية، فقد بين – الفيروز ابادي – في قاموسه أن النسمة تطلق على أصغر حيوان، ولا يخفي أن الميكروب متصف بالحركة والحياة .. أما تسمية الميكروب بالجرثوم فتسمية لا تنطبق على المسمى لأن جرثومة كل شىء أصله حتى ذرة الخشب وهذا من المعجزات الطبية التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم:
3-لا يتناول طعاما إلا إذا تأكد من نظافته.
4-يشرب في قدح من زجاج ليتأكد من نظافة الماء.
5-ينهي عن الشرب من القربة مباشرة فقد يكون في الماء شىء عالق يسقط في الحلق.
3-الصوم وتنظيم الطعام:
يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (2/183)
لقد أمرنا الله تعالى بالصوم منذ طلوع الفجر حتى غروب الشمس. لمدة شهر واحد من كل عام والصوم هو أحد أركان الإسلام الخمسة.
1-التغييرات التي تحدث في عملية التحويل الغذائي أثناء الصيام:
تشمل تحرك الجليكوجين من أماكن تخزينه في الكبد وتحول الجليكوجين الموجود في العضلات وأكسدة المواد الدهنية للحصول على الطاقة اللازمة مع ارتفاع في نسبة الكيتون وكذلك عملية إنتاج جلوكوز من الأحماض الأمينية والتي تعد مضادة لعملية تكون الكيتون و تكون مصدرا للحصول على الجلوكوز. وفي الأشخاص غير الصائمين تحدث هذه التغييرات بمعدل بطىء جدا أما أثناء الصوم فإنه من المحتم أن تزيد كمية المواد الداخلة في هذه التفاعلات ويستفاد من هذا ترهيف وزيادة حساسية تفاعلات الجسم لمواجهة أي ضغط أو إجهاد. إنها عملية تنقية للتحويل الغذائي.
2-تغيرات الجهاز الهضمي.
أثناء الصوم يحدث بطء في حركة الأمعاء هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تقل العصارة المعدية وعصارة الأمعاء وإفرازات البنكرياس ونتيجته لبطء حركة الأمعاء ستطول فترة راحتها ولأن الراحة ضرورة فسيولوجية فإن راحة الجهاز الهضمي ستعود بالنفع على الجسم.
4- تحريم بعض الأطعمة والأشربة:
أ-الخمر:
الآيات:
آية المائدة (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان .. فاجتبوه لعلكم تفلحون)
الأحاديث:
روى مسلم عن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام".
قال صلى الله عليه وسلم لطارق الجعفي عندما سأله عن الخمر فنهاه فقال طارق إنما اصفها للدواء، فقال صلى الله عليه وسلم أنه ليس بدواء ولكنه داء أخرجه مسلم والترمذي وعن أبي هريرة (نهى رسول عن الدواء الخبيث) أخرجه أبو داود وأخرج أبو داود أيضا في سنته: (إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا بحرام) وعن طارق بن سويد الخضرمي قال: قلت يا رسول الله إن بأرضنا أعنابا نعصرها فنشرب منها، قال: لا فراجعته قلت: إنا نستشفى للمريض قال: إن ذلك ليس بشفاء ولكنه أداء) (أخرجه مسلم).
وقد جاء وفد اليمن ووفد حضرموت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن يسمح لهم بشرب الخمر بحجة أن بلادهم باردة فأبى عليهم: ذلك فقد روي أبو داود أن ديلم الحميري سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا بأرض باردة نعالج فيها عملا شديدا وإنا نتخذ من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا ويرد بلادنا قال رسول الله هل يسكر؟ قال: نعم. قال: فاجتبوه. قال: إن الناس غير تاركية. قال فإن لم يتركوه فقاتلوهم.
توضح إحصاءات الصحة العامة في كتبها عن الخمر وآثارها، أن أسباب الوفيات الناتجة عن تعاطي الخمر وعن كل ما يتعلق بها احتلت مكان الصدارة في قائمة أسباب الوفيات بالولايات المتحدة وفرنسا وكثير من بلدان العالم، وأن ثلث أسرة المستشفيات بالدول الصناعية يشغلها مرضى الخمر بل إن ولاية تكساس أصدرت إحصاءات توضح أن ما أنفق على علاج شارب الخمر مضافا إليه الفاقد الاقتصادي الناتج عن ضياع الممتلكات والتعويضات وتدنى الإنتاج يفوق بكثير ما تحققه مبيعات الكحول من أرباح وهذه هي الصورة لمعظم البلدان في عالمنا المعاصر.
قد اتضح أن القليل من الخمر يؤذي الإنسان ويؤدي إلى موت إحدى خلايا المخ، فقد
أثبت الدكتور مالفن كينسلي أستاذ التشريح بكلية الطب بكارولاينا بالولايات المتحدة وزملاؤه أن كأسا واحدة من الكحول تؤدي إلى موت إحدى خلايا المخ، والمعروف أن هذه الخلايا لا تنمو مرة أخرى، ويزداد هذا الأثر الضار في كل مرة يشرب فيها الإنسان يقتل المزيد من هذه الخلايا.
ويعتبر هذا الكشف من أعظم ما توصل إليه العلم في هذا العصر ووضع النقاط على الحروف وهدمت إلى الأبد النظرية التي تدعى أن احتساء الخمر بكميات قليلة لا يضر. وهنا يجب أن نذكر حكمة الإسلام (ما أسكر كثيره فقليله حرام).
تعاطي الكحول بكميات غير سامة يسبب هبوطا في وظائف الجهاز الدوري في الأشخاص الطبيعيين والمتعودين. أما التعاطي المزمن للكحول فيسبب تدهورا مبتدئا بتثبيط وظائف عضلة القلب إلى مرحلة تتميز بضعف المقدرة على ضخ الدم وتضخم القلب وظهور أعراض عدم التكافؤ.
وعلى ذلك فإن استعمال الكحول بأي كمية ولأي فترة من الزمن يؤثر على القلب بصورة بالغة الضرر. وقد كان الأطباء يزعمون في الأزمنة الغابرة وعلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده وحتى عهد قريب أن للخمر بعض المنافع الطيبة ثم تقدمت الاكتشافات العلمية وبطلت تلك المزاعم وتبين أنها أوهام وأن كلام الصادق المصدوق عنها هو الحق الذي لا ريب فيه ولا التباس. وتوهم بعض المتقدمين أن في الخمر منافع طبية واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) وقد رد كثير من الأئمة على هذا الزعم. فيقول الأمير الصنعاني في كتابة سبل السلام وفي كتاب النجم الوهاح "قال الشيخ: كل ما يقوله الأطباء من المنافع في الخمر وشربها كان عند شهادة القرآن أن فيها منافع للناس قبل. وأما بعد نزول آية المائدة (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان .. فاجتبوه لعلكم تفلحون). فإن الله تعالى الخالق لكل شئ سلبها المنافع جملة فليس فيئها شئ من المنافع. وبهذا تسقط مسألة التداوي بالخمر والذي قاله منقول عن الربيع والضحاك. وفيه حديث أسنده الثعلبي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى لما حرم الخمر سلبها المنافع.
والمنافع في الخمر موهومة فهي إما منافع مادية لمن يبيع الخمر ويتجر بها ولكنها طامة كبرى على المجتمع وخسارة مادية آية خسارة.. وإما منافع طبية وصناعية وأغلبها موهوم. مثل الاعتقاد بأن الخمر تفتح الشهية والخمر تفتح الشهية أول الأمر فتزيد من إفراز حامض المعدة كلور الماء (Hcl) ولكنها بعد فترة تسبب التهاب المعدة .. وتعقب تلك المنفعة الموهومة مضرات وعواقب وبيلة وخيمة أولها التهابات المعدة وفقدان الشهية والقيء المتكرر وآخرها سرطان المريء .
وقد جاء وفد اليمن ووفد حضرموت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن يسمح لهم بشرب الخمر بحجة أن بلادهم باردة فأبى عليهم: ذلك فقد روي أبو داود أن ديلم الحميري سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا بأرض باردة نعالج فيها عملا شديدا وإنا نتخذ من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا ويرد بلادنا قال رسول الله هل يسكر؟ قال: نعم. قال: فاجتبوه. قال: إن الناس غير تاركيه. قال فإن لم يتركوه فقاتلوهم.
وجاء الطب الحديث بعد هذه الحادثة بألف واربعمائة عام تقريبا ليقول لنا إن ذلك الدفء ليس إلا من قبيل الوهم. فالخمر توسع الأوعية الدموية وخاصة تلك التي تحت الجلد فيشعر المرء بالدفء الكاذب كما يحصل في أعياد الميلاد في أوروبا وأمريكا حيث يسكر كثير من الناس ويبقى بعضهم في الشوارع والحدائق يتعرضون للبرد القارس فيموتون من البرد وهم ينعمون بالإحساس الكاذب بالدفء.
وهكذا تصدق عبارة ابن القيم (ولهذا حرم الله سبحانه على عباده الأغذية والأشربة والملابس لما تكتسب النفس من هيئة الخبث وصافته).
ونستطرد فتسمع لابن القيم قوله:
إن في إباحة التداوي به (المحرم) ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة لا سيما إذا عرفت النفوس نافع لها مزيل لأسقامها جالب لشفائها فهذا أحب شئ إليها. والشارع سد الذريعة إلى تناوله بكل ممكن ولا ريب أن هذا الدواء المحرم (ليس دواء).
وأخيرا يقول:
وهنا سر لطيف في كون المحرمات لا يستشفى بها. فإن شرط الإشفاء بالدواء تلقية بالقبول واعتقاد منفعته وهذا كلام يعرفه الأطباء ويسمي هذا التأثير (Placebo effect) .
ثم يقول ابن القيم: ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين (الخمرة) مما يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها وحسن ظنه بها وتلقى طبعه لها بالقبول. بل كلما كان العبد أعظم إيمانا كان أكره لها وأسوأ اعتقادا فيها وطبعه أكره شىء لها. فإذا تناولها في هذه الحال كانت داء له لا دواء.
وهكذا كلام عجيب والأبحاث الطبية اليوم تتجه إليه. و من ذلك اختلاف تأثير الدواء الواحد في المجتمعات المختلفة فبينما يؤثر الدواء في مجتمع بعينه بطريقة خاصة يختلف ذلك التأثير ولو يسيرا في مجتمع آخر بل إن تأثير الدواء يختلف من شخص إلى آخر ويؤثر في ذلك عوامل عديدة ليس أقلها أهمية العامل النفسي لدى متناول الدواء فإن كان تلقيه للدواء بالقبول واعتقاد المنفعة حصل له ولو نوع شفاء وإن كان تلقيه له بسوء الظن فيه واعتقاد مضرته لم يحصل له نوع شفاء بل ربما حصل له نوع ضرر.
وهذا باب جديد في الطب فلله در ابن القيم كيف استطاع أن يدرك التأثير النفسي في تلقي الدواء وهو أمر لم يدرك بعد على حقيقته بصورة واضحة إلى اليوم. والأبحاث لا تزال جارية في هذا الميدان.
قد وعي، المتخصصون الغربيون هذه الحقيقة ودعوا للوقاية من الكحول وأمراضه بالامتناع الكلي عن تعاطيه كما يأمر بذلك الإسلام الحنيف، فالضمان الوحيد ضد الإدمان الكحولي هو عدم شرب الخمر وفي افتتاحية كتبها (غريفيث إدواردز) في المجلة الطبية الإنجليزية ذكر أن الخبراء الغربيين أجمعوا الآن على أن علاج الإدمان هو الامتناع الكامل عن شرب الخمر.
ومن بين عقلاء الغرب ومفكريهم (أرنولد توينبي) أبرز المؤرخين العالميين المعاصرين الذي تنبأ بالكارثة التي جلبها الغرب للعالم الثالث ودعا منذ أكثر من أربعين عاما إلى قيادة الإسلام للبشرية في مجال مكافحة وباء الخمر والإدمان.
يقول (توينبي): "باستطاعتنا أن نميز بعض مبادىء الإسلام التي إذ طبقت في الحياة الإجتماعية للبروليتاريا العالمية الحديثة ويقصد بها مجتمعات العالم الثالث يمكن أن تأتي بنتائج حسنة مفيدة لهذا المجتمع الكبير في المستقبل القريب وهناك مصدران ظاهران من مصادر الخطر التمييز العنصري والخمر وفي مجال الصراع ضد هذين الشرين نجد للفكر الإسلامي دورا يؤديه ويبرهن فيه -إذا سمح له بتأدية هذا الدور- عن قيم إجتماعية وأخلاقية سامية، والعالم بوضعه الراهن بحاجة ماسة لنشر هذه الفضيلة الإسلامية. وفي هذه الناحية بالذات يمكن للإسلام أن يلعب دوره في هذا الموضوع … وفي منطقتين من المناطق الاستوائية أفريقيا الوسطى وأندونيسيا كان الإسلام هو القوة الروحية .. ومن المنتظر أن تظهر روح الإسلام فيهما بعدة أوجه عملية وقد تكون إحدى هذه الأوجه تحررهم من شر الخمر عن طريق القناعة الدينية، وبذلك تكون قد استطاعت أي روح الإسلام تحقيق ما لم تستطع القوانين الخارجية الغربية إنجازه. قال هذا الكلام عام 1948.
ولقد عبر جيمس بلدوين عن علاج الإسلام لموضوع الكحول ومدمنيه بقوله:
"ولكن المعجزة قد حصلت فالمدمنون الذين أثقلتهم المخدرات والكحول يتغيرون فجأة عندما يعتنقون الإسلام، كما أصبحنا نرى الذين لم يسمعوا قبلا برسالة الإسلام يتعرفون عليها ويؤمنون بها.. ويتغيرون ولقد استطاع الإسلام تحقيق ما فشلت فيه أجيال من اختصاصي العمل الاجتماعي واللجان والقرارات والتقارير ومشاريع الإسكان ومراكز الترفيه، ألا هو شفاء وإنقاذ السكارى والمتشردين وكسب الذين غادروا السجون وإبقاؤهم خارجها، إنه الإسلام الذي جعل الرجال أطهارا والنساء فاضلات وأعطى الرجال والنساء الاعتزاز والرصانة اللذين يحيطانهم كالنور الدائم.
ب-التدخين:
أجمعت الدراسات العلمية قاطبة على أن خطر مرض شرايين القلب عند المدخنين يبلغ ثلاثة أضعاف ما هو عليه عند غير المدخنين، ولا يخفى على أحد ما في التدخين من أضرار على القلب والرئتين من أعضاء الجسم.
وقد أقر العديد من الفقهاء بتحريم التدخين عملا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار". والمسلم الحق لا يدخن ويأبى أن تهدر الملايين من الدولارات سنويا من أموال المسلمين على ما يؤذيهم ولا ينفعهم.
لقد عرف التدخين والتبغ عند الهنود الحمر في أمريكا اللاتينية والمكسيك وكوبا ومن ثم انتقل إلى أرجاء العالم. لقد اعتاد كثير من الناس على تدخين السجاير أو الغليون أو الترجيلة، وتفشت هذه العادة السيئة في كثير من المجتمعات الإسلامية بل والأسر المسلمة والبيوت المتدينة والمحافظة، وذلك نتيجة للاحتكاك والاختلاط الاجتماعي والدولي والتجاري منذ القدم وإلى الآن بصورة أوسع وأسرع.
وللأسف لقد ساد مفهوم خاطىء عند البعض بأن التدخين يمثل وجها حضاريا جديدا، ومعبرا عن الرقي والمكانة الاجتماعية ودليلا على المستوى الثقافي والمركز العلمي بل اعتبره البعض دلالة على الرجولة وعلامة على القوة والشباب ودلالة على الفتوة والنشاط.
وقد تفشت هذه العادة حتى عند النساء والسيدات في مجتمعاتنا بدعوى التمدن والتقدم والرفعة الاجتماعية .. ومع هذا أبرزت مغريات وراجت دعايات خاطئة بأنه يريح النفس، ويهدىء الأعصاب ويساعد على قوة التركيز وزيادة النشاط الذهني.
ونسى أو تناسى أولئك أن هذا السلوك هو اتجاه خاطىء وعادة خطيرة .. سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، بل أنه إنتحار بطىء مع سبق الإصرار والتصميم وقتل النفس وطريق للهلاك والدمار. يقول تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (البقرة: 195).
ومن هذه التهلكة تأثير التدخين (بشتى أنواعه) على معظم أجهزة الجسم بشكل تدريجي وبطىء.ومنذ البدء نشير إلى أن التأثير الضار للتدخين يكون باتجاهين مهمين:
1-تأثير ضار موضعي مباشر: عن طريق استنشاق أغبرة ودخان السجاير أو الغليون والترجيلة.
2-تأثير ضار عام: بما يحتويه من مواد كيماوية ضارة ومسرطنة: كالنيكوتين والقطران وتأثيراتها على الجسم وأجهزته.
ورغم انتشار التدخين في البلاد الغربية، فحملات التوعية ومكافحة التدخين والمراقبة على شركات تصنيع السجاير لتنقيته من القطران والمواد المسرطنة وبالرغم من التوضيحات الضارة على علب السجاير واتخاذ القوانين الصارمة ببعض المجالات ما زال التدخين يشكل نسبة كبيرة من اسباب الوفيات في العالم والتي تقدر بالملايين سنويا وللأسف ما زلنا نحن في مجتمعاتنا كبقية بلدان العالم الثالث نروج للسجاير بوسائل الإعلام المختلفة فضلا عن فقدان المراقبة لما تحويه السجاير من المواد المسرطنة والضارة ومن نسبة تركيزها في السجائر.
يسير العالم نحو حرب ضد السجاير والتدخين فحرى بنا نحن المسلمين أن نكون أول من يتخذ خطوات إيجابية للوقوف أمام تفشي هذه العادة السيئة والخطيرة. وطبقا لتقرير منظمة الصحة العالمية فإن التدخين يعتبر أخطر وباء عرفه الجنس البشري والوفيات الناتجة عنه تعد أكثر الوفيات التي عرفها تاريخ الأوبئة، وخصوصا في الدول الفقيرة حيث تكثف شركات التدخين دعايتها وتروج أردأ أنواع الدخان وأخطرها ضمن خطة تستهدف الربح المادي أولا وتدميرا لبنية تلك الشعوب ثانيا.
التدخين وآثاره على الفم والأسنان والعين
ينتج عن تدخين السجائر أو الغليون أو مضغ أوراق التبغ الآثار التالية:
1-في الأسنان واللثة:
اصطباغ وتلوث الأسنان واللثة.
ضعف وتشقق وتآكل الطبقات الحامية للأسنان (المينا)
التهاب اللثة وتقيحها ونزفها.
2-في الجوف الفمي والبلعومي:
البخر ورائحة الفم النتنه الكريهة التي تفوح من المدخنين.
بقع ملونة تظهر على الشفه واللثة واللسان والأسنان وباطن الفم.
التهابات الأغشية المخاطية للفم والبلعوم نتيجة ضعف مقاومتها تجاه الجراثيم والعوامل المرضية حيث إن التدخين يشل وظيفتها الدفاعية بما تفرزه من مواد مخاطية حاوية على مواد مطهرة وقاتلة للعضويات الممرضة بواسطة المواد الحالة الخمائرية كالليزونيمات وغيرها.
سرطان الفم والبلعوم .. وغالبا ما يسبق بظهور الطلاوة البيضاء والتي تعتبر مرحلة سابقة للسرطان.
3-في الشفة:
التهاب الصوار وتشقق الشفة، وذلك نتيجة التأثير الموضعي ونتيجة العوز الفيتاميني المرافق أحيانا وخاصة عوز فيتامين ب2.
الطلاوة البيضاء على الشفة وباطن الخد واللسان وهي مقدمة ومهيئة لحدوث السرطان في مكان ظهورها.
4-في اللسان:
التشققات والتقرحات على اللسان.
التهاب الحلميات الذوقية المزمن .. وبالتالي فقد التذوق ونقص الشهية.
اتساخ اللسان وثخانته وترسب طبقات كثيفة مع نمو العضويات الممرضة بسهولة كالمبيضات البيض وبعض الجراثيم.
5-في أمراض الغدد اللعابية:
يؤثر التدخين على الغدد اللعابية بنقص إفرازها من اللعاب بتاثير النيكوتين، وبتأثير موضعي، مما يؤدي لالتهابها وربما انسدادها وبالتالي قد تشكل حصيات فيها وإن نقص إفراز اللعاب يزيد جفاف الفم وتشققه وتأثره. وانتشار الرائحة النتنه (البخر) من الفم.
6-التدخين والعين:
إن تأثير نفث السجاير يؤدي إلى:
التهاب أطراف الأجفان وبالتالي تساقط الأهداب وتعرض العين للغبار والعوامل الممرضة، إضافة لزوال جمالها الطبيعي وتشوه الأجفان المرافق.
التهابات وخراجات الغدد الدمعية، والشعرة الجفنية العينية.
التهاب ملتحمة العين التحسسي الأرجي وما يسببه من ألم واحتقان واضرار بالعين.
التأثيرات غير المباشرة على العين وذلك نتيجة ما يحدثه التدخين من تصلب الشرايين والخثرات مما يمهد لحدوث الوريد الشبكي العيني وتصلب شرايين العين.
ج-تحريم لحم الخنزير:
الأمراض الثلاثة الهامة التي يقوم الخنزير بدور رئيسي في انتشارها وعلى الأخص من الناحية الوبائية:
الزحار البلنتيدي ومرض المثانية ومرض التريكينا.
1-الأمراض الثلاثة من الأمراض الزونوسية، أي المشتركة بين الفقاريات والإنسان.
2-من الخطأ البين، بل الخطر الشديد، التهوين من شأن هذه الأمراض أو الاستجابة لقول القائلين بأن تحريم لحم الخنزير أمر تعبدي وحسب وأن ما به من طفيليات مماثل لما في غيره من حيوانات اللحوم.
3-بعض طفيليات الخنزير قد تنتقل إلى الحيوانات المباح أكل لحومها.
4-مرض التريكينا الوبيل، الذي كان من القضايا المسلمة عدم وجوده في معظم بلادنا قد ثبت وجوده الآن في أكثر من بلد إسلامي.
تحريم لحم الخنزير تحريم معلل وأنه حرام لذاته، أي لعله أصلا مستقرة فيه أو وصف لاصق به، ولذا ينبغي علينا معرفة بعض جوانب الحكمة في هذا التحريم ففي هذا تقدير لنعمة الله علينا إذ أحل لنا سبحانه وتعالى الطيبات وحرم علينا الخبائث.
مواضع التحريم في القرآن الكريم
حرم لحم الخنزير في أربعة مواضع من القرآن الكريم:
1-"إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم".البقرة
"حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب".المائدة
"وقل لا أجد في ما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم".الأنعام
"إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم".
وتشمل هذه الآيات الكريمة جملة ما حرم النص القرآني الحكيم في هذا الباب، فضلا عما جاء في السنة الشريفة من "تحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير وتحريم الحمر الأهلية والكلاب ونحو ذلك". أما المحرمات المذكورة في القرآن الكريم فإنها تندرج في أقسام خمسة:
1-الميتة. 2-المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع
3-الدم المسفوح. 4-لحم الخنزير. 5-ما أهل لغير الله به أو ذبح للطواغيت والأصنام.
علل النص القرآني الحكيم تحريم لحم الخنزير بأنه رجس، وتفيد معاجم اللغة بأن من معاني "الرجس": القذر والشىء القذر،، الفعل القبيح، والحرام، واللعنة، والكفر، والمأثم، وكل ما استقذر من العمل، والعمل المؤدي إلى العذاب. الخ. (القاموس المحيط، المعجم الوسيط). فالرجس إذن كلمة جامعة لمعاني القبح والقذر والضرر.
وبعض هذا موجود في التفاسير فيقول البيضاوي مثلا في معنى "الرجس" قذر لتعوده أكل النجاسة أو خبيث مخبث "وقد يضيف البعض إلى هذا سببا آخر وهو ما يشتهر به هذا الحيوان من طبائع يراها الناس بمقاييسهم عارية من الغيرة والحياء.
وهذا كله داخل في المعنويات والأذواق التي تختلف فيها الافراد والأقوام، ولكننا رأينا من عرضنا السابق أن هناك علاقة وثيقة على أية حال بين طبيعة هذا الحيوان من أنه رمام، يأكل كل ما يجده من القمامة والنفايات وفضول الإنسان والحيوان وبين الدور الذي يقوم به في نقل بعض الأمراض الوبيلة للإنسان، وعلى الأخص مرض التريكينا.
1-الطفيليات المشتركة بين الخنزير والإنسان مجموعة متباينة تنتمي إلىالمجموعات الرئيسية من لطفيليات سوف نستعرض أشهرها أولا في إلمامه وجيزة ثم نتكلم عن ثلاثة منها هي موضوع بحثنا هذا.
2-من الفيروسات والبكتريا: فيروسات مرض الكلب والحمى الصفراء وسلالات من الانفلونزا وصور من العدوى البكتيرية المحتملة ومن آخر ما أضيف في هذا الباب ما أذيع في أخريات عام 1983م من أن باحثين في جامعة هارفارد قد وجدوا أن الفيروس المسبب لمتلازمة قصور المناعة المكتسبة (أيدز Aids) يصيب الخنازير التي تمارس ذكورها اللواط، شأنها في ذلك شأن معظم المصابين بهذا الداء الوبيل من بني الإنسان.
3-من البروتوزوا (الحيوانات الأولية): ثلاثة أنواع من الأميبات المتطفلة أحد النوعين المسببين لمرض النوم الأفريقي ومرض شاجاس في أمريكا الجنوبية: التريبانوسوما، طفيلي العضلات. ولكن لعل أهم هذه المجموعة جميعا هو طفيلي الزحار البلنتيدي. من الديدان المفلطحة، وتعنينا منها مجموعتان رئيسيتان:
التريماتودا أو الوشائع: فمن وشائع الدم يصاب الخنزير بديدان البلهارسيا اليابانية، كما أن بويضات تلك الديدان تمر مع براز ذلك الحيوان الرمام، وهذا يساعد على إكمالها دورة حياتها وانتشارها. وكذلك يصاب الخنزير بوشيعة الرئة التي تصيب الإنسان في كثير من أرجاء العالم، وعلى الأخص في الشرق الأقصى، وكذلك بوشيعة الأمعاء الكبيرة (الفاشيولا) التي يعد الخنزير العائل الخازن الرئيسي لنشر العدوى بها بعد أن تتم دورة حياتها في أنواع معينة من القواقع والأسماك. وإصابة الخنزير بهذه الدودة شائعة جدا في كثير من مناطق الشق الأقصى، ومن ثم تتفشى عدوى الإنسان بها، ويذكر سميث أن نسبة الإصابة قد تبلغ 100% في بعض مناطق الصين حيث تعد هذه الدودة من المشاكل الصحية الهامة، وينتشر في الشرق الأقصى أيضا وشيعتان أخريان بعد الخنزير من العوائل الخازنة الرئيسية لها، وإن كانتا أقل أهمية من الدودة السابقة وهما: وشيعة الأمعاء الصغيرة ووشيعة الكبد الصينية.
السستودا أو الديدان الشريطية: يصيب الخنزير منها نوعان: دودة السمك الشريطية (أو "دودة الإنسان الشريطية العريضة" وهي أكبر الديدان التي تصيب الإنسان (قد يبلغ طولها 12 مترا) ويصاب الخنزير بالطور البالغ منها كالإنسان، ولكن هذا ليس له أهمية خاصة. أما النوع الثاني، وهو دودة لحم الخنزير الشريطية فله أهمية كبرى.
الديدان شوكية الرأس: شائع في الخنزير، ولكنه يوجد أيضا في الإنسان فقد اكتشف مثلا، بين فلاحي وادي الفولجا في جنوبي روسيا.
من الديدان الخيطية أو الاسطوانية (النيماتودا): يصيب الإنسان والخنزير منها بضعة أنواع، فثمة نوع من الاسكارس أو "ثعبان البطن" يعيش في الخنازير، وقد ثبت بالدليل القاطع أنه يعدي الإنسان أيضا، كما ثبت أن النوع الذي يعيش في الإنسان يعدي الخنازير أي أن الخنازير تساعد على انتشار العدوى بهذه الديدان بصفة عامة أما الديدان السوطية فيعتقد أن الذي يصيب الإنسان والخنزير منها نوع واحد فالخنازير تساعد أيضا على انتشار هذه الدودة أيضا بين الناس بيد أن الدودة الخيطية الخطيرة حقا هي دودة "التريكينا" أو التريكنلا الحلزونية.
من الحشرات: يصلح الخنزير عائلا لعدد من الطفيليات الخارجية الخاصة بالإنسان، كأنواع البعوض والبرغوث الشائع في الإنسان، وأنواع من القمل، وذبابة تسي تسي الناقلة لطفيليات مرض النوم، وأنواع من ذباب الجلدالتي تصيب يرقاتها الفم والعينين والأذنين والجروح المكشوفة ثم الأنف على الخصوص. كذلك هناك أنواع من الحلم (Mites) تصيب الخنزير وقد تصيب الإنسان في وجهه وفي داخل أذنيه.
ويعجب نلسون قائلا:" أما العلة في إدماننا نحن أهل العالم الغربي أكل لحم الخنزير فإنها لغز محير، وخاصة أننا نذكر على الدوام بمخاطر هذا ونحن نقرأ الكتاب المقدس "مشيرا إلى الإصحاح الرابع عشر من سفر التثنية من التوراة. ثم يستطرد المؤلف قائلا: "أما اليهود الملتزمون واتباع محمد (صلوات الله وسلامه عليه) فإنهم مضوا في نفورهم من الخنازير وعدم استساغتهم لحومها، ومن ثم خلت جماعاتهم من مرض التريكينا خلوا تاما".
وهذه العلة البديهية لنجاة الأمم التي لا تأكل لحم الخنزير من الإصابة بمرض التريكينا تلقي التأييد من جميع المصادر.
وما ذكرناه لا يعدو كونه جزءا من العلة، فقد تكون هناك أسباب أخرى تتعلق بعلم الطفيليات مما لم نذكره أو لم نهتد إليه بعد، وبعلوم الكيمياء الحيوية وغيرها مما لم نتعرض له أصلا. فالمعروف أن اللحم كلمة شاملة "للحم والشحم" أيضا، ويقول القرطبي أنه لا خلاف أن جملة الخنزير محرمة، إلا الشعر فإنه يجوز الخرازة (أي خياطة جلد الأحذية) به.، هذا ما ينقله عنه أيضا صاحب "نيل المرام في تفسير آيات الأحكام" وحتى من يقول بجواز استعمال جلد الخنزير بعد تعقيمه ودباغته سوف يجد أن القيمة الاقتصادية الأساسية للحيوان قد أهدرت، فلن يصبح مغريا لاقتنائه، لأنه سوف يستقر في الأذهان أن تجنب الضرر الكثير أولى ولا شك من جلب منفعة يسيرة. ويؤكد لنا هذا المعنى ما رأيناه من أن الأدواء الطفيلية لن تكون قاصرة على آكلي لحوم الخنزير وحدهم.
الإعجاز العلمى في حديث تحريم آكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير: اكتشف مؤخرا نوعان من الطفيليات ينتقل عن طريق الحيوانات ذات الناب والطيور الجارحة وهما تريكنيللا نيسوناي وتريكنيللا سيدوسبارتس ولم يحدث ذلك إلا بعد اختراع المجهر والتمكن من دراسة دورة حياة الطفيليات وذلك منذ حوالي 150 عاما فقط في حين جاء التحريم في القرآن والسنة المطهرة قبل أربعة عشر قرنا من الزمان.
الفصل الرابع
تحريم العلاقات الجنسية غير المشروعة
الأهداف التربوية :
بعد دراسة هذا الفصل من المتوقع أن يكون الطالب قادراً على أن :
يدرك نظرة الإسلام للطبيعة البشرية بشقيها المادي والروحي.
يستنتج اهتمام الدين الإسلامي بصحة الفرد وصحة المجتمع.
يدرك الإعجاز العلمي في الحديث الشريف " لا ضرر ولا ضرار".
يستنتج الأسباب التي تؤدي الإصابة بمرض " الإيدز".
يقارن بين مناعة جسم الإنسان للأمراض الجنسية والأمراض العادية.
يستنتج دور الوقاية في الحد من انتشار مرض الإيدز.
يستنتج دور القيم الدينية والخلقية في الحد من انتشار الأمراض المنقولة جنسيا.
يستنتج موقف الدين من المتع الحسية.
يتعرف طرق نقل العدوى بفيروس الإيدز.
يستنتج الهدف الأسمى من الزواج في الدين الإسلامي.
يستنتج الموقف الإسلامي من العلاقات الجنسية.
يستنتج أساليب الوقاية من العلاقات الجنسية غير المشروعة من منظور إسلامي.
يدرك دور التربية البدنية في بناء الصحة النفسية والاجتماعية للمسلم.


تحريم العلاقات الجنسية غير المشروعة
وهذا ما أكده الإسلام من قبل، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "وما تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء".
تشهد أمريكا وأوربا وغيرهما من بلاد العالم منذ سنوات قريبة جنونا جنسيا محموما، سواء في عالم الأزياء والتجميل، أو في عالم الكتب والأفلام، أو في عالم الواقع على كل صعيد …. حتى غدا الجنس الشغل الشاغل لمعظم أفراد المجموعة البشرية، بل أضحت ممارسته والإغراق فيه قمة الأمنيات لدى كثير من الناس .
النظرية الجنسية في الإسلام
ينظر الإسلام إلى الإنسان نظرة شاملة، ينظر إليه جسما وعقلا وروحا، وذلك من خلال تكوينه الفطري، ثم هو ينظم حياته ويعالجه على أساس هذه النظرة.
فالإسلام لم ينظر إلى الإنسان نظرة مادية لا تتعدى هيكله الجسدي ومتطلباته الغريزية شأن المذاهب المادية، في حين لم يحرمه حقوقه البدنية وحاجاته العضوية.
والإسلام بناء على تصوره لطبيعة الإنسان ولاحتياجاته الفطرية ولضرورة تحقق التوازن في إشباعاته النفسية والحسية، يعتبر الغريزة الجنسية إحدى الطاقات الفطرية في تركيب الإنسان التي يجب أن يتم تصريفها والانتفاع بها في إطار الدور المحدد لها، شأنها في ذلك شأن سائر الغرائز الأخرى.
ولا شك أن استخراج هذه الطاقة من جسم الإنسان أمر ضروري جدا، وبالعكس فإن اختزانها فيه مضر جدا وغير طبيعي، ولكن بشرط الانتفاع بها وتحقيق مقاصدها الإنسانية.
وحين يعترف الإسلام بوجود الطاقة الجنسية في الكائن البشري فإنه يحدد لهذا الكائن الطريق السليم لتصريف هذه الطاقة، وهو طريق الزواج الذي يعتبر الطريق الأوحد المؤدي إلى الإشباع الجنسي للفرد من غير إضرار بالمجتمع.
ويتصور الإسلام وجود علاقة بين الرجل والمرأة على أنها الشيء الطبيعي الذي ينبغي أن يكون. فهو يقر بأن الله قد جعل في قلب كل منهما هوى للآخر وميلا إليه ولكنه يذكرهما بأنهما يلتقيان لهدف هو حفظ النوع. وتلك حقيقة لا نحسبها موضع جدال. فمن المسلم به لدى العلم أن للوظيفة الجنسية هدفا معلوما، وليست هي هدفا بذاتها. فيقول القرآن الكريم: "نساؤكم حرث لكم" (سورة البقرة الآية 223). فيحدد هدف العلاقة بين الجنسين بتلك الصور الموجبة.
وربما خطر في فكر سائل أن يقول: "إن هدف الحياة من هذه الشهوة يتحقق سواء تيقظ إليه الفرد أو كان غارقا في الشهوة العمياء، فما الفرق إذن بين هذا وذاك. ولكن الحقيقة أن هناك فارقا هائلا بين النظرتين في واقع الشعور. فحين يؤمن الإنسان بأن للعمل الغريزي هدفا اسمي منه، وليس هو هدفا في ذاته، يخفف سلطان الشهوة الطاغية في شعوره، فلا يتخذ تلك الصورة الجامحة التي تعذب الحس أكثر مما تتيح له المتعة والارتياح. وليس معنى ذلك أنه يقلل من لذاتها الجسدية، ولكنه على التحقيق يمنع الإسراف الذي لا يقف عند الحد المأمون.
ففي حدود الأسرة وفي نطاق الزوجية يتيح الإسلام للطاقة الجنسية مجالها الطبيعي المعقول، ولكنه لا يتيح لها المجال في الشارع، خلسة أو علانية، وهو يرى ببصيرته كيف تنحل الأمم وتسقط حين تترك أفرادها يتهاوون في الرذيلة دون أن تأخذ بحجزهم وتمنعهم من الإنحدار…
ويقول الدكتور فريدريك كاهن Frederic kahn إن الزواج هو الطريق الصحيح لتصريف الطاقة الجنسية، وهو الحل الأوحد الجذري للمشكلة الجنسية. ويقول في كتابه (حياتنا الجنسية): "كان البشر في الماضي يتزوجون في سن مبكرة، وكان ذلك حلا صحيحا للمشكلة الجنسية. أما اليوم فقد أخذ سن الزواج يتأخر، كما أن هناك أشخاصا لا يتوانون عن تبديل خواتم الخطبة مرارا عديدة.
والإسلام حينما يعتبر الزواج الطريق الفطري الذي يحقق للطاقة الجنسية هدفها الإنساني، فضلا عن تحقيقه اللذة الآتية منها، فإنه يتوجه بقوة للحض على الزواج وتسهيله وتيسير أسبابه.
والي ان تتهئ للشباب فرص الزواج واسبابه فان الاسلام يدعو الي الاستعفاف وهو علاج مقبول وطبيعي في مجتمع لا يتزك الانسان فريسة للقصف الغريزي المدمر كما هو مشاهد اليوم في المجتمعات البشرية كافة.
يقول الرسول صلي الله علية وسلم "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فانه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لا يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء (رواه البخاري)
الاعجاز العلمي في الحديث :
الوجاء هو رض انثيا الفحل (خصيتاه) رضا شديدا يذهب شهوة الجماع ويتنزل في قطعه منزلة الخصي كما ذكر الحافظ بن حجر وفي التعبير بلفظ الوجاء اشارة الي الخصيتين وهذا من الاعجاز حيث ان الخصيتين يفرزان هرمون الذكورة المحرك والمثير للرغبة الجنسية وعلي ذلك فان رضهما يذهب هذة الرغبة ويخمدها تماما وقد ثبت بالبحث العلمي الذي اجري في مستشفي ماستشوست بالولايات المتحدة ان الصوم ادي الي خفض كبير في مستوي هرمون الذكورة وبالتالي اضعاف الرغبة الجنسية فياله من اعجاز.
ويقول علية الصلاة والسلام "اذ تزوج العبد فقد استكمل نصف دينه فليتق الله في النصف الباقي " (رواه البيهقي)
ويقول صلي الله علية وسلم "ثلاث حق علي الله عونهم المجاهد في سبيل الله والمكاتب الذي يريد الاداء والناكح الذي يريد العفاف" ]رواة الترمذي)
وقال الرسول صلي الله علية وسلم"من كان موسرا لان ينكح ثم لم ينكح فليس مني" ] رواة الطبراني[
الموقف الاسلامي من العلاقات الجنسية
يعطي الاسلام توجيهات عملية مفيدة في جميع شئؤن الحياة بما في ذلك العلاقات الجنسية البشرية فالزواج هو القناة الوحيدة التي يسمح فيها بالعلاقة الجنسية بين الجنسين .
والعلاقات الجنسية محرمة تماما خارج اطار عقد الزوجية وتستوجب عقوبة دنيوية وعقوبة اخروية.
ويشدد الاسلام علي الوقاية من الجرائم الاجتماعية وكذلك الامر بالنسبة للظروف والعوامل التي تساعد علي انتشار هذه الجرائم وتنص الشريعة الاسلامية علي عقوبات شديدة ضد جرائم الجنس كالزنا واللواط والاغتصاب التي ينظر اليها مخالفة للشرائع المتعلقة بالمجتمع والعائلة.
يقول الله تعالي : "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تاخذكم بهما رافة في دين الله ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنون." (سورة النور : 2)
ويقول تعالي : "ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة كبيرة وساءت سبيلا " (سورة الإسراء : 32)
ويشدد قانون العقوبات الإسلامي علي استقرار وأمن العائلة والحياة الاجتماعية علي حساب الحرية الفردية غير المحدودة ويعتمد في ذلك في ذلك علي التوجيهات والحكمة الإلهية التي تعتبر احسن طريق لإيجاد المجتمع والأمن والسليم .
فىهذا المجال نحب أن نلفت النظر إلى أن الإسلام لم يغفل أو يهمل حتى دقائق الأمور وتفصيلات السلوك البشري الخاص والعام لتكون متوافقة ومنسجمة مع القواعد الإعتقادية والأخلاقية التي جاء لتحقيقها لذلك نجد أن الإسلام وضع لعملية الجنسية (الجماع) ما تحتاجه من توجيه وتنظيم.
فهو يدرك أن الجماع كيما يكون مثاليا محققا للغاية الفطرية منة يجب ان يكون منسجما في العمل والاستجابة موديا إلي الاستمتاع والاتحاد والحسيين والنفسيين بين الزوجين.
ويجب أن ينتبه إلي أن الإسلام يحرم أن يأتي الرجل زوجته في دبرها لقوله عليه الصلاة والسلام : "لا ينظر الله إلى رجل يأتي إمراته في دبرها . (رواة النسائي)
ولقوله صلي الله علية وسلم "من أتي حائضا أو إمرأه في دبرها أو كاهنا فصدقة بما يقول فقد كفر بما انزل علي محمد (رواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه ) حديث صحيح
9- لا يجوز أن يأتي الرجل زوجته وهي حائض أو في النفاس بعد الولادة ويسمح الإسلام بما وراء ذلك من التقبيل واللمس وما شابه ……الخ . لقوله علية الصلاة
والسلام السابق ولما رواه أبو داود والبيهيقي :"كان رسول الله صلي الله علية وسلم إذا أراد من الحائض شيئا القي علي فرجها ثوبا ثم صنع ما أراد : حديث صحيح
وكان من عادة اليهود ومن قلدهم من العرب في الجاهلية أنهم لا يؤاكلون الحائض ولا يساكنوها فنهي الإسلام عن ذلك ولكنه حرم إتيان الحائض وسمح بالتمتع دون الفرج وبذلك كان الإسلام وسطا بين إفراط اليهود وتفريط الذين يبيحون جماعها في الحيض.
والحيض بالنسبة للمرأة ظاهرة فيسيولوجية طبيعية ولا ينظر الإسلام إلى المرأة الحائض علي أنها نجس قذر لا يجوز الاقتراب منه بل هي إنسان طبيعي يقوم بجميع واجباته الحياتية ما عدا بعض أمور العبادة التي نص عليها الشرع.
وقد ثبت طبيا أن خلايا المنطقة الداخلية للأعضاء التناسلية وخاصة خلايا عنق الرحم أكثر عرضة للتأثر والإصابة في هذه الفترة من كل شهر لذا فلعل الامتناع في فترة الحيض من أهم الأسباب أيضا التي تحد من تعرض هذه المنطقة للأمراض وخاصة الخبيثة منها!.
الوقاية من العلاقات الجنسية غير المشروعة
1- الحجاب :عندما تخالط المرأة غير المحارم، عليها أن ترتدي ثيابا سائرة لا تكون رقيقة بحث تشف ما تحتها ولا تكون ضيقة تظهر معالم وتقاطيع جسم المرأة فذلك أدعى لتجنب الفتنة والإغراء، استجابة لقول الله تعالى: "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمورهن على جيوبهن، ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو ابناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني اخوانهن أو نسائهن أو ما ملكت ايمانهن أو التابعين غير أولي الإربه من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورة النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (سورة النور: الآية 30-31).
2- غض البصر
3-الصور الخلاعية والإباحية محرمة في الإسلام: وكذلك عرض كل ما يخدش الحياء من صور عارية وصور العمليات الجنسية وكل ما يمت إلى ذلك بصلة.
4-الحياء ركن أساسي في المجتمع الإسلامي، والعلاقات بين الجنسين التي تضبطها قواعد الشريعة الإسلامية تهدف إلى حماية المجتمع من إشاعة الفاحشة بين الأفراد كالزنا واللواط وما شابه. وكما ذكرنا فإن على الرجل والمرأة أن يتصفا بالحشمة والحياء. ولا يشجع الإسلام على الإختلاط الحر بين الجنسين وذلك للوقاية من الوقوع في المخالفات الشرعية.
5-العلاقات الجنوسية Homosexualite :
يحرم الإسلام العلاقات الجنوسية بين الرجلين أو بين الإمرأتين ويعتبر ذلك من الكبائر. وفي المجتمع الإسلامي يعاقب مرتكبو هذه الفاحشة عقابا شديدا.
يقول الله تعالى: "ولوطا إذا قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون*" (سورة الأعراف: الآية: 80-81).
ويقول تعالى: "أتأتون الذكر أن من العالمين* وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون * " (سورة الشعراء: الآية: 161-162).
فالإسلام يهدف أول ما يهدف إلى سد الطرق التي تؤدي إلى الإنحراف الجنسي ويمنع كل أسلوب في الحياة يهدم المجتمع الإسلامي ويسير به نحو الفساد الأخلاقي وينص القانون البريطاني المحلي لعام 1986م (المادة 28) على أن تقوم الحكومات المحلية بمنع كل ما يؤدي إلى تشجيع وانتشار العلاقات الجنوسية، كما يمنع من نشر جميع الوسائل التي تثير أو تشجع على هذه العلاقة، وتمنع المدارس من ممارسة العلاقة الجنوسية على أنها من العلاقات العائلية.
الزنا والعدوى بالآفات التناسلية: يؤدي الزنا واللواط إلى أمراض جنسية خطيرة وعديدة جدا وفي المجتمع الإسلامي الذي يجب أن يتصف بالعفة والأمانة، نادرا ما تحدث مثل هذه الإصابات. ومن أهم الأمراض التناسلية الشائعة نذكر: الزهري ونقص المناعة البشرية (الإيدز أو السيدا Sida ) وداء السيلان القيحي. وتدل الدراسات أن هذه الأمراض شائعة جدا في المجتمعات التي تكثر فيها الإتصالات الجنسية خارج عقد الزواج كما هي الحال في المجتمعات الغربية وبعض المجتمعات الافريقية. ويبدو أن الشباب الذين تنحصر أعمارهم بين (16-24) سنة هم أقل الناس حذرا، وأكثر الناس تعرضا لمثل هذه الإصابات بسبب نشاطهم الجنسي غير المشروع.
رابعا: بناء الصحة النفسية للمسلم:
يتم عن طريق تنمية الشخصية وتهذيبها. فالنفس تتطور من خلال عملية تكيف الفرد في لمجتمع. والمسلم يدرك أن غايته في الحياة هي إرضاء الله تعالى بالأعمال الصالحة. وعندما يتعامل مع الآخرين فإنه يقوم بتكوين أو كبح قدرات دتخلية معينة، فيتعود على الحب والعطاء ويتغلب على الأنانية بين الصحة الاجتماعية والصحة النفسية وبين الصحة البدنية. فالمجتمع الذي يسوده الرفق والتراحم وحسن الخلق وحسن لجوار تبدو عليه علامات الصحة الإيجابية ممثلة في طور العمر. روى أحمد عن عائشة رضى الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنه من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من خيري الدنيا والآخرة، وصلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعو\مران الديار ويزيدان في الأعمار". وهذا الحديث الشريف هو أول تسجيل لارتباط العلاقات الاجتماعية بمتوسط عمر الفرد في المجتمع.
إعطاء الجسم والنفس حقهما من الراحة من عوامل بناء الصحة، فقد روي أبو داود حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : "روحوا قلوبكم ساعة فساعة".
وروي الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "سافروا تصحوا".
خامسا: الرياضة البدنية:
أكدت مقالة نشرت في مجلة B.M.J. الشهيرة أنه للوقاية من مرض شرايين القلب والجلطة القلبية يجب على الإنسان أن يمارس نوعا من أنواع الرياضة البدنية كالمشي السريع، أو الجري، أو السباحة لمدة 20-30 دقيقة مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع على الأقل.
ولهؤلاء نقول: ألم يحثنا رسول الله (عليه السلام) على المشي إلى المساجد خمس مرات في اليوم الواحد، وقد يكون المسجد على بعد عشر دقائق أو يزيد.
أليس في هذا رياضة للبدن ووقاية للقلب؟! روي البخاري ومسلم في صحيحيهما أن رسول الله قال: "أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم إليها ممشي، فأبعدهم والذي ينتظر الصلاة يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصليها ثم ينام".
ويؤكد الأطباء على ضرورة أن يكون المشي سريعا وقويا لا متواصلا ومتهاديا. أليست هذه هي مشية المسلم الحقيقي الذي يقتدي برسول الله في كل أعماله؟
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى تكفأ تكفؤا، وكان أسرع الناس مشيا…
كما أن من وسائل حفظ الصحة وتعزيزها، كذلك، تقوية الجسم ولا سيما بالرياضات المناسبة، فقد قال صلى الله عليه وسلم : "المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف" (رواه مسلم عن أبي هريرة) وقال: "وإن لجسدك عليك حقا" (رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو) وقال: "احرص على ما ينفعك" (رواه مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة).
الفصل الخامس
صحة البيئة
الأهداف التربوية :
بعد دراسة هذا الفصل من المتوقع أن يكون الطالب قادراً على أن :
يستنتج تأثير البيئة على صحة الفرد والمجتمع.
يستنتج الإعجاز العلمي في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تتحدث عن صحة البيئة.
يدرك البيئة المبدأ الأساسي في علم السلامة من منظور إسلامي.
يستنتج دور الماء الملوث في نقل الأمراض للإنسان.
يستنتج الإعجاز العلمي في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ينهي عن التبول أو التبرز في المياه أو الظل أو قارعة الطريق.
يذكر مصادر تلوث الماء وأفضل الأساليب للحد من هذا التلوث.
يذكر الإعجاز العلمي في الآيات القرآنية الكريمة التي تنهي عن الإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل.
يدرك دعوة الرسول الكريم لإنشاء المحميات الطبيعية.
يستنتج دور التشجير والمسطحات الخضراء في حفظ التوازن البيئي.
يدرك دعوة الرسول الكريم بإماطة الأذى عن الطريق بأشكاله المادية والمعنوية.
يستنتج أشكال الأذى في عدم اتباع قواعد المرور.
يدرك الإعجاز العلمي في الحديث الشريف لا ضرر ولا ضرار.
يستنتج مظاهر أضرار الفرد بنفسه وأسرته والناس جميعا.

صحة البيئة
تحتل البيئة في عصرنا الحاضر، مكانة لا تكاد تدانيها مكانة، من حيث تأثيرها على صحة الفرد أو المجتمع، اللهم إلا أنماط المحياة التي يعتنقها الإنسان والسلوكيات التي يتبعها في حياته.
ومن أجل ذلك اهتمت منظمة الصحة العالمية منذ تأسيسها بموضوع الصحة والبيئة، وأفردت له حيزا كبيرا من اهتماماتها، وأنشأت له برنامجها خاصا يضم عديدا من كبار الخبراء في مختلفة جوانب هذا الميدان المهم من ميادين الصحة.
وليس يخفي أن البيئة التي احتضنت الإنسان يوم خلق في هذه الأرض، كانت بيئة حفية به، حانية عليه، رفيقه بصحته،كما ليس يخفي أن شرع الله الذي جاء لهداية الناس إلى خيرهم في دنياهم وآخرهم، يمثل خير ضامن لإحجام الناس عن تدمير بيئتهم، والإضرار البليغ بأنفسهم وبإخوانهم في الإنسانية بل وبأشكال الحياة كلها من حيوان ونبات وغير ذلك من الأحياء.
وحماية صحة البيئة تطبيق لقاعدة إسلامية رئيسية وهي أن كل مسلم مسئول عن سلامة جماعة المسلمين تطبيق للقاعدة التي وضعها رسول الله، بأنها كالجسد الواحد وأن من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم. وهي الحماية تلزم المسلم ألا يكون مصدر ضرر للبيئة.
هدى الإسلام فى الحفاظ على البيئة:
روي أبو داود حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اتقوا الملاعن الثلاثة. البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل" وروي الترمذي – عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم ولا تتشبهوا باليهود".
وقد دعا الإسلام إلى الوقاية من الأمراض الانتقالية بعزل المريض عن الأصحاء، روي الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يوردن ممرض على مصح".
1-الوقاية من الحوادث: وضع الإسلام القواعد الأساسية للوقاية من الحوادث قبل أن يظهر علم السلامة ويتبلور في إجراءات محددة في مجالات الصناعة وحوادث الطرق وحوادث المنازل. فالإسلام يكره التواكل ولكنه يأمر باتخاذ الأسباب الدنيوية ثم بعد ذلك بالتوكل على الله. يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم) (النساء: 71).
وروي ابن حيان والطبراني أن إعرابيا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل يترك ناقته دون أن يربطها توكلا على الله تعالى فقال له النبي عليه الصلاة والسلام. "اعقلها وتوكل".
وعلم السلامة يقوم على مبدأ أساسي وهو أن لكل حادثة سببا ويتجنب الأسباب يمكن تجنب الحوادث. روي الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون".
مما يجدر ذكره أن حسن استخدام الطريق ومنع الأذى والضرر عنه قد كفله الإسلام وشدد عليه ورغب فيه انطلاقا من أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم "إماطة الأذى عن الطريق صدقة" (متفق عليه) من أذى المسلمين في طريقهم وجبت عليه لعنتهم (رواه الطبراني باسناد حسن) الإيمان بضع وستون أو سبعون شعبة أدناها إماطة الاذى عن الطريق (متفق عليه) من أماط أذى عن طريق المسلمين كتبت له حسنة (رواه البخاري والطبراني) إن المؤمن ليؤجر في إماطة الأذى عن الطريق (رواه الترمذي) من هذه الأحاديث النبوية الشريفة يتضح لنا أن إماطة الأذى بكل أشكاله المادية والمعنوية عن الطريق عبادة وفرض عين على كل مسلم فالأذى هنا يشمل كل ما يضر بالطريق ويشوه ماله ونظافته أو يتسبب في وقوع حوادث الطريق أو الإرباك المروري أو غيرها من الاضرار التي تلحق بالطريق ومستخدميه فمثلا إلقاء الزجاجات الفارغة والمخلفات من أوراق وغيرها في الطريق يعتبر نوعا من الأذى إشغال أرصفة الطرقات، وهي المخصصة للمشاة بما يحول دون استخدامها فيه أذى وضرر لأن هذا الأمر قد يجبر المشاة أن يسيروا في عرض الطريق مما يعرضهم للحوادث كما أن عدم الالتزام بتعاليم وقواعد المرور مما يتسبب في وقوع حوادث مرورية يتأثر بها أناس أبرياء يعتبر أذى فالسائق الذي يسير بسرعة جنونية غير عابئا بما تحدثه هذه السرعة من وقوع حوادث، كثيرا ما تكون مميتة، يرتكب مخالفة قانونية وشرعية في حق نفسه وحق الآخرين فالسرعة الجنونية دعوة للتهلكة والله ينهانا عن إلقاء أنفسنا في التهلكة يقول الحق تبارك وتعالي: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (البقرة: 195) كما أن هذه السرعة الجنونية فيها إسراف شديد على النفس حيث يسئ استخدام نفسه والسيارة التي يمتلكها معا ويقتضي واجب الملكية في الإسلام كما سبق أن بيننا حسن استخدامها وصيانتها وصلاحها كما يدعونا الإسلام إلى الاعتدال في السرعة يقول الحق تبارك وتعالى: (واقصد في مشيك واغضض من صوتك) (لقمان 19)
فالإعتدال في السرعة هو حد الإسلام، حد الإتزان وهو الحد الذي ستؤجر عليه لأنك بذلك تميط أذى عن الطريق بسرعتك المعتدلة المعقولة كما أن الأضرار بالطريق والتسبب في الحوادث يتنافى ولا شك مع القاعدة الفقهية الإسلامية" لا ضرر ولا ضرار فالطريق ليس ملكا لك تعبث فيه كيفما تشاء ومن رحمة الله عليك أنك ستؤجر في إماطة الأذى عن الطريق وتنجو من عقاب الله سبحانه وتعالى الذي توعد به المفسدين والمسرفين في الأرض فهل نعقل ونتبع طريق النجاة في الدنيا والآخرة، وهل نحسن استخدام الطرق وأن نمتنعه عن كل شكل من أشكال الأذى بها كما أمرنا الله سبحانه وتعالى.

2-تحريم تلويث الغذاء والماء بمفرغات البدن التي تحمل الجراثيم وتنقل العدوى، فيقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه، ابن ماجة عن أبي هريرة: "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد" وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أن يبول الرجل في مستحمة" (رواه الترمذي عن عبد الله بن مغفل)، وكان يقول: "اتقوا اللاعنين" قالوا: وما اللاعنان؟ قال: "الذي يتخلى (يتغوط) في طريق الناس وفي ظللهم" (رواه مسلم عن أبي هريرة)، ويقول في الحديث الذي رواه أبو داود عن معاذ بن جبل: "اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل" ولا يخفى أن تلويث موارد المياه بالبراز وما يشتمل عليه من جراثيم، عامل أساسي في نقل الأمراض، بصورة مباشرة من خلال الماء الملوث، أو غير مباشرة من خلال الخضروات والثمرات التي تسقى بهذا الماء. وفي ذكر الظل نكتة لطيفة، لأن ما يكون في الظل لا تطهره الشمس، فيبقى مرتعا خصبا للجراثيم ويعمل على تكثيرها.
الإعجاز في الأحاديث السابقة:
من مفاهيم الطب الوقائي في الطب النبوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوقاية من البلهاريسيا قبل أن تعرف البشرية هذا المرض الخطير بمئات السنين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه).
وفي، هذا الحديث حارب النبي صلى الله عليه وسلم البلهارسيا وغيرها من الأمراض، ذلك أن الماء الراكد إذا بال فيه الإنسان وخاصة إذا كان مصابا بمرض ما ينقل العدوى إلى سواه. وفي قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم : حكمة نبوية طبية جليلة القدر وهي أن الماء الجاري نقل فيه العدوى إن لم تنعدم.
دور الماء الملوث في نقل الأمراض
كثيرة هي الأمراض التي تنتقل بالماء الملوث، ولا سيما تلك التي تسببها بعض الجراثيم أو الطفيليات التي يحتوي عليها براز الإنسان المريض أو بوله، وفي مقدمتها الحمى التيفودية (التيفود) وداء البلهارسيا المنشقات) وداء الديدان الشصية (الملقوات أو الانكيلوستوما) وسائر الديدان.
أما الحمى التيفودية (التيفود) فتكون جراثيمها في أمعاء الإنسان ودمه وبوله. فاتصال بول المصاب بها أو إتصال برازه بالماء، يمكن أن يؤدي إلى نقل جراثيمها إن كانت فيه. ولقد كان الماء من أهم وسائل نقل هذا المرض وانتشاره في الناس قبل اتخاذ الوسائل الحديثة لتطهيره ومراقبته في البلدان الراقية، ولكنه ما زال عامل مهما في نقلها في البلدان المتخلفة.
وأما مرض البلهارسيا (أو داء المنشقات،، فهو مرض يتصف بالتهاب في المثانة (يتجلى بتبول الدم) أو التهاب في القولون (يتجلى بالزحار (الدوسنطاريا). وتنطرح بيوض الطفيلي مع البول في النوع الأول، ومع البراز في النوع الثاني. حتى إذا ما بلغت الماء، ولا سيما الماء الراكد القليل الحركة، فإنها تنفقس عن يرقة صغيرة، لا تلبث أن تدخل أحد أنواع الحلزون أو في ذوات القواقع، حيث تتخلق فيه خلقا من بعد خلق، حتى تتحول إلى يرقة ذات ذنب، تدعى الذاتية (سركاريا). وهذه الذوانب تسبح في الماء، حتى تصادف إنسانا يغتسل في الماء، أو يسبح فيه، أو يغسل فيه ثيابه، أو يشرب منه، أو يخوض في ماء الري، وإذ ذاك تخترق بشرة الجلد، بأن تدس نهايتها الأمامية في الجلد وتستغنى عن ذيلها.
وفي غضون أربع وعشرين ساعة، تكون الذوانب قد وصلت إلى الدم، فتجول في الدوران الدموي، ثم ينتهي بها المطاف إلى داخل الكبد، حيث تكبر وتبلغ وتتراوح، ثم تهاجر إلى جدران المثانة أو الأمعاء لتبيض.
وواضح أن السبب في استمرار هذه الدورة المؤذية، هو مواصلة التبول أو التغوط بشكل يصل معه البول أو البراز إلى المياه السطحية، ولا سيما المياه الراكدة، وأن الوقاية تكون بالامتناع عن هذا الفعل الذميم، الذي نهت عنه الشريعة الإسلامية نهيا واضحا صريحا.
وأما الديدان الشصية فهي ديدان تكون في الأمعاء، وتحدث في المصاب بها بطنيا موجعا. وبعد مدة يظهر فقر الدم الشديد، وتصير الأغشية المخاطية كلها شاحبة جدا، وينتفخ الوجه وتتورم الرجلان وقد يظهر في المريض استسقاء، أي تراكم السوائل في أنسجته وأجوافه (جوف البطن مثلا). وإذا لم يعالج المرض، فيعم الاستسقاء جميع الأطراف، أو ينحل المريض ويهزل جدا حتى تبدو عظامه، ولكنه على كل حال يبقى منتفخ البطن بالسوائل، حتى يموت.
وبيض هذه الديدان التي تنطرح مع البراز، وتقفس عن يرقاتها إذا وجدت تربة رطبة، كأرض الحقول أو المزارع أو المناجم، فإذا لامسها إنسان نفذت من جلده مباشرة، وتابعت مسيرتها فيه حتى تبلغ الدم، ثم تصل بالدوران إلى الكبد ثم الرئة ثم الأمعاء. وأكثر من يتعرض لعدواها الزارع وعمال المناجم، ولكنها كذلك تهاجم الأطفال الذين يخوضون في الوحل الموبوء بها حفاة فيصابون بها. وواضح أن الوقاية منها تقوم على الحيلولة دون وصول شىء من الغائط إلى سطح الأرض ولا سيما في الظل، إذ يحافظ الظل على الرطوبة اللازمة لحياة اليرقات، ويحفظها من التاثير المطهر الذي تتصف به أشعة الشمس. يتبين أن وقاية الماء من التلوث
ونقل عدوى الأمراض الآنفة الذكر نتلخص في امرين اثنين: (1) منع وصول جراثيم هذه الأمراض وطفيلياتها إلى الماء أو التربة الرطبة أو (2) عدم تعريض الإنسان نفسه إلى عدواها بنزوله في الماء الذي يحتمل عليها، وهو على الخصوص الماء الراكد القليل الحركة.
وهذا هو بالضبط ما ورد في الهدى النبوي من ضوابط. فقد وردت الأحاديث الصحيحة التالية عن النبي صلى الله عليه وسلم :
1-"لا يبولن أحدكم في الماء الراكد" (رواه ابن ماجة)
2-"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبول الرجل في مستحمه" (رواه أبو داوود).
3-"لا تبل في الماء الدائم (أي الراكد) الذي لا يجري ثم تغتسل منه" (رواه مسلم)
4-"لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم (أي الراكد) وهو جنب" (رواه مسلم)
5-"اتقوا اللاعنين (أي الآمرين الجالبين اللعنة لفاعلهما) قالوا: وما اللاعنان؟ قال: الذي يتخلى (تغوط)، في طريق الناس وفي ظللهم" (رواه مسلم).
6-"اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وهي جميع المصادر التي يستقى منها الماء الحديث السادس)، مع تخصيص للماء الراكد، الذي راينا أنه أنسب المياه لنمو الطفيليات (الأحاديث الأول والثالث والرابع). وفيها النهي عن أن يبول الرجل في مستحمه، أي الماء الذي يستحم فيه (الحديث الثاني). وهذا من جهة لفت نظر للمرء إلى أن هذا الماء الذي يبول فيه الآن قد يستحم فيه فيما بعد، وهي وسيلة تربوية لجعله يستنكر ذلك، ومن جهة أخرى وقاية للآخرين، لأن التبول في هذه المياه الراكدة الساكنة التي يستحم الناس فيها عادة (ومنها الترع والسابح) مدعاة لعدوى الأمراض وفي هذه الأحاديث أيضا النهي عن التغوط في الظل. وفي هذا بالإضافة الناحية الاجتماعية التي تقبح أمكنة اعتاد الناس أن يستريحوا فيها، إشارة مهمة إلى الناحية الصحية، لأن أماكن الظل لا تتعرض إلى أشعة الشمس القوية بما فيها من خصائص قاتلة للجراثيم. وقد تقدم أن الظل يحافظ على، الرطوبة اللازمة لحياة يرقات الدودة الشصية. ويقاس على البول والبراز كل ما يتلوث به الماء، ويصيب الإنسان في صحته، كإلقاء فضلات المصانع، والحيوانات النافقة، والقمامة، في الأنهار والترع والمصارف، وكذلك غسل الملابس الملوثة بالجراثيم في مياهها، وكل ما يؤدي إلى إفساد البيئة، وإهلاك ما فيها من حيوان أو نبات. فقد قال الله عز وجل: "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها" (الاعراف 85)، وذم سبحانه كل شخص "آدا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد" (البقرة: 205).
ويتمثل حرص الإسلام في المحافظة على نقاء الماء في قوله صلى الله عليه وسلم : "إذا استيقظ أحد من نومه فلا تغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده" (رواه مسلم).
وجاء أيضا في الإرشادات النبوية، التحذير من ترك أواني الطعام والشراب مكشوفة، كحديث عائشة: "كنت أصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاثة آنية من الليل مخمرة (أي مغطاة): إناء لطهوره، وإناء لسواكه، وإناء لشرابه "وحديث جابر" أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نوكىء (نربط فوهة) أسقيتنا ونعطي آنيتنا" (رواه ابن ماجة). وفي ذلك حفظ للطعام والشراب من سقوط الحشرات المؤذية التي تنقل جراثيم المرض، وهذا من أهم سبل الوقاية والتحفظ من الأمراض وأسبابها.
وهذا النهي عن تلويث الموارد ولطرق جزء من توجيهات الإسلام للحفاظ على صحة البيئة. ويقابل ذلك أمر إيجابي بتنظيفها. فقد قال صلى الله عليه وسلم إماطة (أي إزالة) الأذى عن الطريق صدقة" (رواه أبو داود عن أبي ذر)، وقال: "عرضت على أعماله أمتي: حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها: الأذى يماط عن الطريق" (رواه مسلم وابن ماجة عن أبي ذر) وقال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة … وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (رواه مسلم عن أبي هريرة).
ولقد حذر الله سبحانه في مواضع متعددة من كتابه الكريم من الفساد في الأرض والفساد البيني من هذا الفساد في الأرض بل هو أول ما يتبادر إلى الذهن في هذا المقام. فقد قال عو من قائل: "كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (البقرة: 60) وقال جل شأنه: "ولا تفسدوا في الأرض" (الاعراف: 85) وقال سبحانه: "ولا تبغ الفساد في الأرض" (القصص: 77) وقد نهى كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أقوامهم عن الفساد في الأرض.
بل قد خصص الله بالذكر ذلك النوع من الفساد الذي يستأصل النبات والحيوان فقال: "ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام .. وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد (البقرة: 205).
قال لإمام ابن حزم في المحلي محتجا بهذه الآية: "فمنع الحيوان ما لا معاش له إلا ربه علف أو رعي، وترك سقى شجر الثمر والزرع حتى يهلكا، هو بنص كلام الله تعالى فساد في الأرض وإهلاك للحرث والنسل، والله تعالى لا يحب هذا العمل".
وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تشجيع الزراعة بما يزيد الثروة النباتية ويضيف إلى البيئة الصالحة فقالت: "لا يغرس المسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شىء إلا كانت له صدقة" (رواه مسلم عن جابر)، وقال: "من أحيا أرضا ميتة فهي له" (رواه الترمذي عن جابر وقال حديث حسن صحيح). ونهى في مقابل ذلك نهيا شديدا عن قطع الشجر فقال: "من قطع سدرة (يعني دون مبرر) صوب رأسه في النار" (رواه أبو داود عن عبد الله بن حبشي).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم أول من أنشأ محميات بينية لا يجوز قطع شجرها ولا قتل حيوانها. فقد "حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ناحية من المدينة بريدا (والبريد اثنا عشر ميلا): لا يخبط (ينزع) شجره، ولا يعضد (يقطع)، إلا ما يساق به الجمل" (رواه أبو داود عن عدي بن يد). وكان النبي صلى الله عليه وسلم "ينهي أن يقطع من شجرة المدينة شىء" (رواه أبو داود عن سعد بن أبي وقاص)، وقال عن المدينة "لا ينفر صيدها .. ولا يصلح أن يقطع منها شجرة، إلا أن يعلف الرجل بعيره" (رواه أبو داود عن علي)، وقال صلى الله عليه وسلم : "إني أحرم ما بين لابتي المدينة: أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها" (رواه اإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص)" وقال عن واد بالطائف: "إن صيد وعضاهه حرام" (رواه الإمام أحمد وأبو داود عن الزبير). ولا يخفي ما للتشجير والخضرة من آثار هامة لحفظ التوازن البيئي وتوفير المناخ الملائم للحياة حيث تقوم النباتات بعملية التمثيل الضوئي فتوفر الأكسجين اللازم لتنفس الإنسان والحيوان وتخلص البيئة من ثاني أكسيد الكربون فتأمل الإعجاز في ذلك.
الاهتمام باستزراع النباتات وحمايتها لم يكن وليد العصر، ولا من محدثات الزمن، بل دعا إليه الإسلام منذ أربعة عشر قرنا فقد كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يرغب أصحابه ويدعوهم إلى استزراع النباتات وحمايتها والمحافظة عليها من أحاديث الرسول في هذا المجال "ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طيرا أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة (رواه مسلم والبخاري والترمذي) "من أحيا أرضا وعرة من المصر أو ميتة من المصر فهي له (رواه أحمد في سنده) (ما من إمرىء يحيى أرضا فيشرب منه كبد حراء وتصيب منها عافية إلا كتب الله به أحرا) (رواه الطبراني في المعجم الأوسط والكبير) (أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الأرض أرض الله والعباد عباد الله فمن أحيا موتها فهو أحق به) (رواه أبو داود في سنته والترمذي في سنته ومالك في الموطأ) (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها) (رواه مسلم) صدق رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وكانت الأوامر تصدر صريحة إلى قواد المسلمين تنهاهم عن قطع الأشجار أو تدميرها وضرورة المحافظة عليها كما أعطى الإسلام لولي الأمر الحق في إقامة الحمى (المحميات الحيوية) إذا كان ذلك في صالح المسلمين، وقد ادرك العالم الغربي في السبعينات من هذا القرن أهمية المحمية في حماية البيئة الحيوية، وهي الدعوة التي تبناها الإسلام منذ أربعة عشر قرنا. هذه الأحاديث الشريفة دعوة صريحة تربي فينا السلوكيات البيئية الإيجابية نحو التحضير ونشر الخضرة في كل مكان.
ومن وسائل حفظ الصحة وتعزيزها بالمحافظة على هذه النعمة، إعطاء كل عضو حقه، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "وإن لعينيك عليك حقا" (متفق عليه) عن عبد الله بن عمرو، وعدم تكليف الإنسان نفسه ما لا يطيق لقوله صلى الله عليه وسلم : "عليكم بما تيقون" (متفق عليه عن، عائشة). وأخيرا ففي مقابل كل ما تقدم من سبل حفظ الصحة وتعزيزها، تحذير شديد من أي تبديل أو تغيير على هذه النعمة لأن الإنسان سيدفع الثمن غاليا. ولا أدل على ذلك من الحديث التالي: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا" (رواه ابن ماجة وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عمر). وقد حرم اله الفواحش أيا كان نوعها تحريما قاطعا فقال جل شأنه: "ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن" (الأنعام: 151) وقال سبحانه: "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم (الأعراف: 33).
لا ضرر ولا ضرار
هذه العبارة الجامعة الفذة حديث شريف رواه الدار قطني عن أبي سعيد الخدري وقال عنه الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وهي مؤكدة بصيغ أخرى كقوله صلى الله عليه وسلم: "ملعون من ضار مؤمنا أو مكر به" (رواه الترمذي عن أبي بكر وقال حديث غريب)، وقوله: "من ضار أضر الله به" (رواه ابن ماجة وأبو داود عن أبي صرامة)، وقوله: "من ضار مؤمنا ضار الله به" (رواه الترمذي عن أبي صرامة وقال حديث حسن غريب).
ولعل أجمل ما ورد في تعريف الضرر والضرار، ما ذكره السيد رشيد رضا رحمة الله في تفسير سورة المائدة: "أي: رفع الضرر الفردي والمشترك" ومنه أخذت قاعدة دفع المفاسد وحفظ المصالح مع مراعاة ما علم من نصوص الشارع ومقاصده.
وقد جاء تحريم الضرر في كتاب الله عز وجل في قوله تعالى سورة الأعراف (33): "قل إنما حرم ربي الفواش ما ظهر منها وما بطن والإثم وقوله في سورة الأنعام (120) وذروا ظاهر الإثم وباطنه، مع قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة (219) عن الخمر والميسر: فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما فجعل الإثم نقيض النفع فهو الضرر إذن، وهو كما نرى محرم بنص القرآن، لا يحل للمسلم أن يضر بنفسه أو يضار بغيره. وذلك في كتاب الله كثير.
فلننظر الآن كيف يتجلى هذا المبدأ في شؤون الصحة
1-الإضرار بالنفس:
وهذا محرم لقوله عز وجل: "ولا تقتلوا أنفسكم (النساء: 29) وقوله سبحانه: "ولا تقتلوا بأيديكم إلى التهلكة" (البقرة: 195) وقوله صلى الله عليه وسلم : "لا ضرر". فلا يجوز للمسلم أن يعرض نفسه لخطر المرض أو الإصابات بأي شكل من الأشكال لقوله. "ل ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه" قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: "يتعرض من البلاء لما لا يطيقه "رواه ابن ماجه وأحمد عن عن حذيفة، والترمذي وقال: حديث حسن غريب". ويكون تعرض المرء للأمراض، والإصابات بتعرضه لأسبابها، أو تهاونه في عدم اتقانها، أو تهاونه في حفظ صحته عليه. وقد وجه الإسلام إلى السبيل القويم في ذلك كله، فأوجب على المسلم: إن يحرص على ما ينفعه من سبل الحياة الصحية كالتغذية بالغذاء الحسن والاعتدال فيه وفي المشرب، واتخاذ بعض الرياضات التي تحفظ عليه سلامة أعضائه حقه من الرعاية والإراحة والعناية، لقوله صلى الله عليه وسلم "احرص على ما ينفعك" رواه مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة، ولحديث: "وخذ من صحتك لمرضك" (عزاه البخاري لابن عمر)، ولقوله صلى الله عليه وسلم : "ما أطعمت نفسك لك صدقة" (رواه البخاري في الأدب المفرد عن المقدام بن معبد يكرب) وقوله: "إن لنفسك عليك حقا" (رواه البخاري عن وهب بن عبد الله)، وقوله: "إن لجسدك عليك عليك حقا .. وإن لعينيك عليك حقا .. (متفق عليه عن عبد الله بن عمرو) .. أن يتخذ كل أسباب الوقاية من الأمراض لابن التوقي يكفل الوقاية. فقد قال صلى الله عليه وسلم : "ومن يتوق الشر يوقه" (أخرجه الخطيب في تاريخه عن أبي هريرة). ويدخل في ذلك البعد عن مصادر المرض كاجتناب مقارفة الزنى واللواط وسائر الفواحش لقوله تعالى: "ولا تقربوا الزنى أنه كان فاحشة وساء سبيلا (الإسراء: 32)، وقوله: "ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن (الأنعام: 151) وقوله سبحانه: إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء. بل أنتم قوم مسرفون (الأعراف: 81)، وقوله النبي صلى الله عليه وسلم "إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط" (رواه ابن ماجة والبيهقي عن جابر ابن عبد الله). كما يدخل في الوقاية البعد عن مصادر الإثم، لقوله سبحانه: "وذروا ظاهر الإثم وباطنه (الأنعام: 120) والإثم كما يقول السيد رشيد رضا رحمه الله في تفسيره "كل ما فيه ضرر في النفس أو المال أو غيرها، وأشدها المضار والمفاسد الاجتماعية "ومن الإثم المسكرات والمخدرات وكل ما يخامر العقل "وقد قال ربنا سبحانه: "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير (البقرة: 219)، وقال جل جلاله: "إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه (المائدة: 90) والاجتناب أعلى درجات التحريم. وقد "أنهى رسول الله صلي الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر" (رواه احمد وأبو داود عن أم سلمة)، وقال صلى الله عليه وسلم : "ألا إن كل مسكر حرام، وكل مخدر حرام، وما أسكر كثيره حرم قليلة، وما خمر العقل فهو حرام" (رواه أبو نعيم عن أنس بن حذيفة). ويدخل في التوقي كذلك عدم التعرض للمصابين بالأمراض المعدية. كما يدخل في ذلك التطعيم لتوقي كثير من الأمراض المعدية.
أن يتخذ كل أسباب الوقاية من الإصابات. والأصل في ذلك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا غرستم (أي نزلتم للنوم بالليل) فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل" (رواه مسلم عن أبي هريرة) وقوله صلى الله عليه وسلم : "إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخله إزاره، فإنه لا يدري ربما ما خلفه عليه" (متفق عليه عن أبي هريرة)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "اطفئوا المصابيح إذا رقدتم، وغلقوا الأبواب، وأوكوا أي اربطوا أفواه" الأسقية، وخمروا (أي غطوا) الطعام والشراب" (رواه البخاري عن جابر)، وقوله: "إن هذه النار عدو لكم، فإذا نمتم فاطفئوها عنكم" (متفق عليه عن أبي موسى) وقوله: "من بات على ظهر بيت ليس له حجار (أي جدار) فقد برئت منه الذمة" (رواه أبو داود عن علي ابن شيبان). وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوحدة: "أن يبيت الرجل وحده أو يسافر وحده" (رواه الإمام أحمد عن بن عمر، وسنده صحيح على شرط البخاري).
أن يتداوى إذا أصيب بالمرض لقوله صلى الله عليه وسلم : "تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء" (رواه البخاري في الأدب المفرد عن أسامة بن شريك).
2-الإضرار بأفراد الأسرة:
الوالدين والولد والزوج والزوجة. وهذا أيضا محرم داخل في حكم الضرار فقد أوصى الإسلام الإنسان بوالديه فقال سبحانه: "ووصينا الإنسان بوالديه حسنا" (العنكبوت: 8) وقال عز من قائل: "وبالولدين إحسانا" (النساء: 36)، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ينهى عن منع وهات وعقوق الأمهات وعن وادالبنات" (رواه البخاري في الأدب المفرد عن المغيرة بن شعبة)، وروي عنه أنه قال: "ملعون من عق والديه" وأي عقوق أسوأ من أن يفرط في صحتهما التي تحفظ عليهما نفسيهما. كذلك أوصى الإسلام الوالدين بالولد، وأوصى كلا من الزوجين بالآخر وعلى الأخص الزوج بزوجته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "استوصوا بالنساء خيرا" (متفق عليه عن أبي هريرة كما رواه الترمذي عن عمرو بن الأحوص الجشمي في حجة الوداع وقال حديث حسن صحيح) وقال: "اللهم إني أخرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة" (حديث حسن رواه النسائي باسناد جيد عن أبي شريح، خويلد بن عمرو الخزاعي) وقال صلى الله عليه وسلم : "إن لزوجك عليك حقا .. وإن لولدك عليك حقا.. فأت كل ذي حق حقه" (متفق عليه عن عبد الله بن عمرو)، وقال صلى الله عليه وسلم : "وإن لأهلك عليك حقا" (رواه البخاري عن وهب بن عبد الله)، وقال: "والرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم" (متفق عليه عن عبد الله بن عمر).
فالتفريط في حق الوالد أو الزوجة أو الزوج أو الولد، وفي حفظ صحتهم عليهم ووقايتهم من الأمراض.. حرام، لقوله عز وجل: "ولا تقتلوا أولادكم" (الأنعام: 151) وقوله سبحانه: "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق" (الأنعام: 151)، وقوله جل شأنه: "قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم" (الأنعام: 140)، وقوله عز وجل: "لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده" (البقرة: 233) قال الإمام ابن حزم رحمه الله في التعليق على هذه الآية: "والذي منع أبواه من المضارة به هو الولد بلا شك" (المحلي: 10/107) وقوله سبحانه: "وائتمروا بينكم بمعروف" (الطلاق: 6) قال ابن منظور في التعليق على هذه الآية: "وحق كل منهما أي الوالدين أن يأتمر في الولد بمعروف" (اللسان: ع ر ف) ومعنى ذلك أن يتشاور الوالدان للتوصل إلى ما فيه مصلحة الولد. ومن ذلك أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم : "كفى بالمرء إثما أن يضيع من بقوت" (حديث صحيح رواه أبو داود: وغيره عبد الله بن عمرو)، وقوله: " ليس منا من لم يرحم صغيرنا" (رواه البخاري في الأدب المفرد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح). ومن أظهر مظاهر الرحمة حفظ صحته ووقايته من الأمراض. ومن أهم سبل حفظ صحة الطفل الحرص على إرضاعه من الثدي في العامين الأولين من عمره، فذلك يزوده بالتغذية الفضلى، وبالأجسام المناعية المضادة التي تنتقل إليه من ألام في لبنها، ويحافظ على صحته وصحة أمه بالمباعدة بين الأحمال، لأن الرضاعة تمنع الحيل في الغالب. وقد قال ربنا عز وجل: "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة" (البقرة: 233)، وقال سبحانه: "وفصاله في عامين" (لقمان: 14). وقد كان من أهم عناصر البيعة التي يأخذها النبي صلى الله عليه وسلم : من النساء جميعا أن لا يقتلن أولادهن" (الممتحنة: 12).
فالواجب على المرء إذن في حق أفراد أسرته:
أن يتخذ كل أسباب وقايتهم من الأمراض، ويدخل في ذلك إبعادهم عن مصادر العدوى، كما يدخل فيه وجوب تطعيمهم بحسب اللزوم لتوقي كثير من الأمراض المعدية فلو الأب أو الأم مثلا في تطعيم ولدهما، فإنهما يعرضانه للضرر وقد نهاهما الله عز وجل عن ذلك، وقد يؤدي تصرف كهذا منهما مردة إلى الجهل والسفه إلى تعريضه للتهلكة وتعريضهما للخسران لقوله سبحانه: "قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم (الأنعام: 140).
أن يحرص على ما ينفعهم من سبل الحياة الصحية كتغذيتهم بالغذاء الحسن وحثهم على الاعتدال! فيه، وجعلهم يتخذون بعض الرياضات التي تحفظ عليهم صحتهم. أن يداويهم إذا تعرضوا للمرضى.
وليس يخفي أن من أهم المخاطر التي يتعرض إليها الولد الأعزل الغر، أن يكون أحد أبويه أو كلاهما مدخنا، فيفسرانه على استنشاق أدخنة السجائر، ويعرضانه إلى الإصابة بمختلف الأمراض التي قد تنشأ عن ذلك. وواضح أن في ذلك حرمة مضاعفة، لما فيه من تفريط بحق الوقاية، وإكراه على التعريض للخطر وهو صغير لا حول له ولا قوة.
الإضرار بالناس جميعا: ولا سيما بالجار. وهذا محرم لقوله صلى الله عليه وسلم : "لا ضرر ولا ضرار" وقوله صلى الله عليه وسلم: "من ضار أضر الله به" (رواه ابن ماجة وأبو داود عن أبي صرمة) وقوله: "والله لا يؤمن" قالوا: "من هو يا رسول الله خاب وخسر" وقال: "من لا يأمن جاره بوائقه" (متفق عليه عن أبي هريرة). قال الإمام ابن تيميه في فتاويه (1/327): "فإذا كان هذا بمجرد الخوف من بوانقه، فكيف فعل البوانق مع عدم أمن جاره منه؟ (والبوانق: العوائل والشرور). وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : "تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك" (متفق عليه عن أبي ذر).
لذلك لا يحل للمسلم مثلا أن يدخن في مركبة مغلقة – سيارة أو طائرة أو مقصورة- فيلحق الضرر بجيرانه فيها جميعا ويعرضهم إلى مخاطر هذا المنشوق الخبيث. وهو وإن كان لا يجوز له أن يدخن ولو كان وحده فيعرض نفسه إلى أسباب المرض والهلاك، فعدم جواز ذلك في حق الغير أظهر. فالجار في مقعد الطائرة جار، وفي الأماكن العامة جار، والجار في داخل البيت جار ذو قربى .. وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى في سورة النساء بالإحسان إلى الجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب.. وليس تعريض أي منهم إلى مضار التدخين من الإحسان في شىء. وقل مثل ذلك في الذي يلقي بفضلات بيته أمامه فيؤذي جيرانه ويؤذي المارة، أو الذي يصيب نفايات مصنعه في نهر أو جدول أمام مصنعه، وما شابه ذلك من، البوانق التي ينطبق عليها جميعا حكم الضرر أو حكم الأذى على الأقل. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم" (رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن) بل قد حرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا تعريض أي من أفراد المجتمع لأي أذى أو ضرر، وأقر باتخاذ جميع الاحتياطات الكفيلة بوقايتهم من ذلك فقال مثلا: "من مر في شىء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل (سهام)، فليمسك أو ليقبض على نصالها بكفه، أن يصيب أحدا من المسلمين منها بشىء" (متفق عليه عن أبي موسى).
ويدخل في باب الضرر والضرار موضوع العدوى. فلا يجوز للمسلم أن يعدي أخاه أو يتهاون في ذلك، أو يجلب أسباب العدوى إلى المجتمع، فذلك يندرج تحت هذه القاعدة الشاملة، قاعدة تحريم الضرر والضرار، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يورد المرض على المصح" (متفق عليه عن أبي هريرة). حتى لقد يميل المرء إلى أن يفهم قوله النبي عليه الصلاة والسلام: "لا عدوى، ولا طيرة" (رواه ال بخاري عن عبد الله بن عمر وأنس بن مالك)، على أنه نهى عن العدوى كما أنه نهى عن التطير، وليس نفيا للعدوى كما أنه ليس نفيا للتطير، لما يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: "لا طيرة، وخيرها الفأل (متفق عليه) فهذا ليس نفيا للطيرة بدليل قوله "وخيرها الفأل ولكنه نهى عنها وزجر وهذا الفهم ينسجم أيضا مع آخر الحديث في رواية" وفر من المجزوم فرارك من الأسد" . وحينما استشكل ذلك أحد السامعين لأنه فهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم على أنه نفى للعدوى، فقال: "أرأيت البعير يكون به الجرب فتجرب الإبل "احتاط النبي صلى الله عليه وسلم للسائل وغيره خشية أن يؤمن هو أو غيره برد الأسباب إلى غير الله عز وجل فقال له: "ذاك القدر، فمن أجرب الأول؟" فتلك مبادرة إلى تصحيح خطأ الفهم. ومما يؤيد ذلك أنه قد "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله" (رواه الترمذي عن أبي خزامة). ومثل ذلك ما فهمه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم أبي الدخول على الطاعون وقال له أبو عبيدة: أتفر من قدر الله؟ نعم! نفر من قدر الله"، وكان رضي الله عنه في ذلك منسجما بفهمه العميق للإسلام مع قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن سمع به من قبل: "إذا سمعتم بالطاعون بأرضي فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها" (أخرجه البخاري عن أسامة بن زيد). فالمهم أن يعلم الإنسان أن العدوى من قدر الله وأن مكافحة العدوى من قدر الله، كما أن المرض من قدر الله والتداوي من قدر الله والوقاية أو التقاة من قدر الله والله أعلم بمراد نبيه صلى الله عليه وسلم .
ويندرج ذلك كله في هذا الحديث الجامع: "ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم! والمسلم: من سلم الناس من لسانه ويده .." (رواه أحمد عن فضالة بن عبيد، بإسناد صحيح).
حفظ صحة البيئة فيه سلامة المجتمع وحماية لأمة المسلمين من الضرر وإعلاء لكلمة الله، ومن هنا نلاحظ أن الأحاديث الشريفة تتناول جوانب الوقاية والحماية بدرجة تكون أقرب إلى الأمر والإلزام. وكلما كانت الحماية مرتبطة بالمقاصد الخمس التي جاءت بها الشريعة كانت درجة الإلزام أكبر. فالإسلام يأمر الفرد الفرد بالابتعاد عن موطن الوباء ولكن وقاية المجتمع المسلم من انتشار الوباء تعلو على مصلحة الفرد الواحد وبذلك تصير التضحية بالنفس في سبيل سلامة المجتمع شهادة في سبيل الله. روى البخاري وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس من أحد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان مثل أجر الشهيد".
الفصل السادس
العدوى
الأهداف التربوية :
بعد دراسة هذا الفصل من المتوقع أن يكون الطالب قادراً على أن :
يستنتج الإعجاز العلمي في الأحاديث النبوية الشريفة التي تحذر المسلمين من العدوى.
يفرق بين القضاء والقدر والأخذ بالأسباب في الوقاية من المرض.
يستنتج الإعجاز العلمي في الأحاديث النبوية الشريفة التي تدعو إلى الحجر الصحي.
يدرك أن العدوى من قدر الله ومكافحة العدوى من قدر الله والتداوي من قدر الله.
يتعرف طرق انتقال العدوى ووسائل الوقاية منها.
يستنتج الأمراض التي تنتقل عن طريق الأطعمة الملوثة ودور النظافة الشخصية في الحد من هذه الأمراض.
يستنتج الأمراض التي تنتقل للإنسان عن طريق الهواء الملوث .
يستنتج طرق الوقاية من الأمراض التي تنتقل عن طريق الماء الملوث.
يذكر الأمراض المتوطنة في العالم الإسلامي نتيجة لعدم اتباع تعاليم الإسلامي في الطعام والشراب والعادات الصحية.
يقارن بين المناعة الطبيعية والمناعة المكتسبة وأهمية كل منها للإنسان.
يستنتج عوامل إضعاف المناعة في جسم الإنسان.

العدوى
طرق انتقال العدوى ووسائل الوقاية منها
الأمراض المعدية: فهي التي تنتقل من مريض إلى آخر بإحدى الطرق التي تتسبب فيها الجراثيم العديدة وهي:
التنفس: كما في أمراض الجهاز التنفسي.
الفم: كما في أمراض الجهاز الهضمي.
الجهاز التناسلي.
الملامسة.
آلات الحقن في الوريد وغيره.
وخز الحشرات.
ذبابة التسى تسى لتي تنقل مرض النوم.
القمل الذي ينقل حمى التيفوس.
البرغوث الذي ينقل مرض الطاعون.
وأهم أسباب الأمراض المعدية: مخلوقات متناهية الصغر والدقة بحيث لا تراها العين المجردة وإنما تحتاج لتكبيرها عشرات الآلاف المرات لرؤيتها كما في الفيروسات وآلاف المرات كم في البكتريا ومئات الطفيليات من ذوات الخلية الواحدة والفطريات.
الفيروسات:
وأشهر الأمراض التي تسببها الفيروسات هي: الانفلونزا أو نزلات البرد وشلل الأطفال والحصبة والجدري والتهاب الكبد الفيروسي والحمى الصفراء والحمى النكفيه والإيدز.
ورغم أن هذه الأمراض المعدية بل شديدة العدوى إلا أن دخول هذه الفيروسات إلى الجسم لا يعني المرض حتما.
فالجدري رغم أنه مرض معدي إلا أنه قد يصيب شخصا فيميته ويصيب شخص آخر عليه أعراض مرض خفيف وكأنه نزلة برد.
وكذلك فيرس شلل الأطفال فإنه يصيب الأطفال قبل تعميم التطعيم فيدخل على جسم طفل فيصيبه بالشلل ويدخل على جسم طفل آخر فيصيبه إنفلونزا خفيفة.
أ)بعض الأمراض الناتجة عن البراز:
1-يعتبر تناول الأطعمة الملوثة من أهم وسائل انتقال الأمراض كالتيفونيد والزجار وشلل الأطفال والتهاب الكبد الفيروسي ونحوها حيث تنتقل جراثيم المرض من براز المريض أو حامل المرض إلى لإنسان المعرض للإصابة. إن انتقال الجراثيم من براز المصاب إلى الآخرين عن طريق اليد أو لآنية ونسبة حدوث ذلك تعتمد اعتمادا كبيرا على مستوى نظافة البيئة وتطورها ومتى طورت وسائل النظافة والتثقيف الصحي أمكن خفض نسبة حدوث هذه الأمراض.
يحث الإسلام على استخدام اليد اليسرى لغسل السبيلين مع إبقاء اليد اليمنى نظيفة لوضوء والأكل ففي الحديث عن عمر بن أبي سلمة (رضي الله عنه) قال كنت طفلا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصفحة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك (رواه البخاري ومسلم).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت "كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه واليسرى لخلائه وما كان من أذى" رواه أبو داود.
إن هذا النظام يضمن نظافة اليد اليمنى من البراز في حين يمنع الأكل باليد اليسرى وبذلك أقلل من نسبة انتقال لجراثيم الموجودة بالبراز إلى الفم عن طريق اليد.
إن المناطق الباردة الرطبة وذات الظل تعتبر جوا ملائما لنمو أغلب أنواع البكتريا وبويضات الديدان، ويساعد على ذلك خلوها من تأثير الأشعة فوق البنفسجية القاتلة للجراثيم والبويضات فعلى سبيل المثال ثبت أن بويضات دودة الإسكارس يمكن أن تعيش في هذه الأجواء لمدة عامين مع بقائها معدية.
وبما أن البول والبراز يعتبران من مصادر هذه الجراثيم والديدان لذا ينصع بعدم التبول والتبرز في الظل (كظل الشجر والبنايات ونحوها).
ولقد أمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل العلم الحديث بألف وأربعمائة سنة، حيث روي أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتقول اللاعنين قالوا وما اللاعنان؟ قال الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم" (رواه مسلم ) والتخلي هو التبول والتبرز.
إن الكثير من الديدان كالإنكلستوما والسترنقولويديز ونحوها تصيب الإنسان عن طريق اختراق جلد القدم ويحصل ذلك عادة إذا ما سار الإنسان حافيا خصوصا في الطرقات العامة وأماكن الظل ومصادر المياه كالعيون ونحوها. فالتبول والتبرز في هذه المناطق وسير الإنسان حافيا فيه يعطي هذهخ الديدان فرصة أكبر لاختراق أخمص القدم وحصول المرض، ولقد وضع الغسلام قواعد كفيلة بالسيطرة على هذه المشكلة حيث نهى عن التبول والتبرز في طريق الناس وظللهم كما سبق ذكر ذلك في الحديث السابق، وفي نفس الوقت حث على لبث النعال والإكثار من ذلك حيث روي جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في غزوة غزوناها "استكثروا من النعال فإن الرجل ما يزال راكبا ما انتعل" (رواه مسلم ) قال النووي في شرح هذا لحديث معناه أنه شبيه بالراكب في خفه المشقة عليه، وقلة تعبه وسلامة رجله مما يعرض لها في الطريق من خشونة وشوك وأذى ونحو ذلك أ.هـ.
ب)التحكم في الأمراض التي تنتقل عن طريق الهواء:
إن نفخ الرزاز وزفره يؤدي إلى انتقال كثير من الأمراض المعدية كالانفلونزا والقوباء (الهيريز البسيط) وشلل الأطفال والنكاف والحصبة الألمانية والرشاح والتهاب الحلق والعنجز والسل وغيرها من الأمراض وخاصة الفيروسية ولذلك فإنه ينصح بعدم النفخ والتنفس في آنية الأكل والشرب كما يستحسن تغطية الوجه أثناء العطاس والتتاؤب. ولقد وجه الإسلام أتباعه إلى هذه الوسائل الوقائية من أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وحتى قيام الساعة فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه" (رواه أبو داود).
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ قال: اهرقها. قال فإني لا أروي من نفس واحد؟ قال فأبن القدح إذا عن فيك" رواه الترمذي وحسنه الأرنووط في تحقيق جامع الأصول برقم 3100.
إن الحوار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الصحابي وإصراره صلى الله عليه وسلم على عدم النفخ في الشراب يجعل الأمر في حكم الواجب ويبين إدراكه صلى الله عليه وسلم لخطورة ذلك الأمر الذي لم يكن واضحا لصاحبه في ذلك الوقت في حين أنه بديهي للطب الوقائي الحديث.
وبالنسبة للعطاس والتتاؤب .. جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عليه وسلم "كان إذا عطس غطى وجهه بيديه أو بثوبه وغمض بها صوته" رواه الترمذي وحسنه الأرنووط في تحقيق جامع الأصول برقم 489.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا تتاءب أحدكم فليضع يده على فيه.. " رواه مسلم.
ج)التحكم في لأمراض المتنقلة عن طريق الماء:
1-أ-يعتبر الماء الراكد جوا ملائما لنمو الكثير من البكتريا كالكوليرا والسالمونيلا والشيجلا والليبتوسبايرا وغيرها.
ب-تحتاج كثير من الديدان كالزحار الأميبي والديدان المستديرة والبلهاريسيا لإكمال دورة حياتها خارج جسم الإنسان، ويساعد التبول والتبرز على نمو هذه الديدان وسرعة تكاثرها وانتشارها.
والتعاليم الإسلامية العام منها والخاص تسهم في الحد من هذه المشكلة فالقرآن والحديث مليئان بالتوجيهات العامة التي تحث على لنظافة قال تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) أما الأوامر الخاصة ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" (متفق عليه)
إن نظافة الماء أمر في غاية الأهمية في الطب الحديث، ولقد حثت الأحاديث على ذلك ففي الحديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لنفخ في الشراب فقال رجل: القذاة أراها في الإناء قال: اهرقها.. الحديث رواه الترمذي.
في الحديث يؤكد لنا أهمية نظافة الماء وذلك:
أ-بتذكيرنا بخطورة نفخ الرذاذ في الماء.
ب-بالأمر بإهراق القذاة، وهي القشة الصغيرة من الوسخ.
هذا وتختلف وسائل تنظيف الماء بحسب الزمان.
مناقشة واستنتاجات
لقد راينا أنه باتباع التوجيهات الإسلامية يمكن التحكم في الكثير من الأمراض السارية والوقاية منها.. ونتيجة لإهمال بعض المسلمين لهذه التعاليم القيمة انتشرت بعض الأمراض في أوساطهم (حتى استوطن بعضها) مع إمكانية التحكم فيها ولوقاية منها وهذه بعض الأمثلة:
1-يعتبر الدرن من لأمراض الشائعة في بعض الدول الإسلامية (وهو ينتقل عن طريق الهواء).
ولقد أجرى الدكتوران أحمد الحسن وتاج الدين دراسة على درن الأمعاء في السودان ووجدا أن السبب الرئيسي لدرن لأمعاء في السودان هو جرثومة الدرن الإنسانية بعكس ما هو معروف عالميا من أن السبب هو الجرثومة الدرنية البقرية ويعتقد الباحثان أن تفسير ذلك هو العادة المتبعة في خض اللبن وصنع الزبدة منه حيث يتم ملء القربة إلى نصفها باللبن ثم تنفخ المرأة (والتي قد تكون مصابة بدرن الصدر) بفمها في القربة لتملأ النصف لآخر بالهواء ثم يبدأ خض اللبن وتفصل الزبدة ويشرب اللبن (الروب) بدون غلي أو تسخين وبالتالي ينتقل المرض من صدر لمرأة إلى أمعاء الآخرين. وتنتشر هذه العادة في كثير من بلاد المسلمين مع أنه منهي عنها شرعا.
تستوطن البلهارسيا وهي مرض ينتشر عن طريق الماء الملوث في مصر والسودان وبعض الدول المدارية ففي مصر وحدها توجد أربع عشرة مليون حالة بلهارسيا تكثر الغصابة بالانكلستوما والديدان وغيرها في المناطق المدارية ومنها دول إسلامية وتؤدي عادة التبول والتبرز في الطرقات العامة والظل ومصادر المياه إلى زيادة نسبة الإصابة خصوصا مع إنتشار الحفا .. علما بأن هذه العادات منهى عنها شرعا، ويأثم المسلم إذا فعلها.
ومن أحاديث الرسول لكريم التي تنهي عن الفساد والإفساد دعوته إلى المحافظة على الماء طاهرا نقيا وعدم إفساده بإلقاء النجاسة والمخلفات فيه ليظل مصدر حياة وخير البشرية: "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل فيه" (رواه البخاري) "كما نهى أن يبال في الماء البحاري" (رواه الطبراني بإسناد حسن) فالتبول في الماء الراكد يجعله بيئة خصبة لتكاثر الميكروبات والفيروسات التي تساعد على انتشار الأمراض المعدية كما أن التبول في لماء لجاري سوف يؤدي إلى إلحاق الضرر بالآخرين حيث تصلهم لمياه ملوثة وهو سلوك يتنافى مع حرص الإسلام على ألا تضر نفسك ولا تضر الآخرين انطلاقا من القاعدة الفقهية "لا ضرر ولا ضرار" وفي حديث آخر يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم : "اتقوا الملاعن الثلاث لبراز في الماء، وفي الظل وفي طريق لناس" (رواه أبو داود) فهل نحن ملتزمون بتعاليم الإسلام كما جاءت في كتاب الله وسنة رسوله الكريم في عدم إفساد موارد البيئة.
للأسف نحن نرتكب مخالفات شرعية كثيرة عندما نسمح لأنفسنا بضخ مياه المجاري الصحية غير المعالجة، وهي مليئة بالمواد الكيماوية والعضوية والميكروبات الضارة إلى البحار والأنهار متجاهلين ضررها على الأحياء المائية وأهمية مياه هذه الأنهار للاستخدام الزراعي والاستخدامات المنزلية، سلوكيات غير إسلامية، غير بيئية نرتكبها ونحن غفلة من أمر ديننا.

2-المناعة المكتسبة:
هي وسائل الدفاع التي تكتسب صفة المقاومة لنوع معين من العناصر الغريبة. وهي على نوعين أيضا:
المناعة المكتسبة النشطة وتتحقق في حالتين:
الأولى: نتيجة دخول الميكروب أو جسم غريب إلى جسم بصورة طبيعية كما يحدث في مختلف الأمراض المعدية فيترف جهاز المناعة وخاصة الخلايا اللمفاوية من النوع (B) على هذا الجسم ويختزن ذلك في الذاكرة لهذه الخلايا العجيبة فإذا ما تم هجوم وجد المضادات لها بالمرصاد.
الثانية: نتيجة إدخال ميكروب ميت أو ضعيف أو جزء من غلاف الميكروب بواسطة التطعيم وبهذه الطريقة تتنبه الخلايا اللمفاوية وتتكون لديها ذاكرة تمكنها من معرفة ذلك الميكروب فإذا ما هجم على جسم الإنسان وجد أجهزة المناعة له بالمرصاد.
المناعة المكتسبة السلبية:
وهي وسيلة دفاع مستعجلة بحيث يعطي المصاب أو المتوقع إصابته بمرض معين مضادات لهذا الميكروب. تجمع في العادة من الناقهين من ذلك المرض المعين.
وقد تجمع هذه المضادات من أوصال الخيول التي تحقن بالمادة المؤرجة كالميكروب أو السم ثم يؤخذ المصل من الخيل بعد تكون المضادات لتلك الأجسام الغريبة.
عوامل إضعاف المناعة في جسم الإنسان
إن عوامل إضعاف جهاز المناعة في الإنسان كثيرة جدا وتكنفها الجهالة.
ويمكن إجماله فيما يلي:
1-العوامل الوراثية:
وخاصة تلك المرتبطة بنقص في تكوين الخلايا اللفاوية من نوع T أو من نوع B
2-العوامل الطبيعية:
مثل الطفولة والشيخوخة والحمل فالبداية ضعف والنهاية ضعف والحمل وهن على وهن.
3-عوامل التغذية:
وخاصة نقص البروتينات والفيتامينات الذي يؤدي إلى ضعف جهاز المناعة.
4-أمراض غير معدية أو معدية تضعف المقاومة:
هناك أمراض عديدة تضعف جهاز المقاومة ومن أهمها:
البول السكري وأنواع السرطان والأمراض الخبيثة.
ومن الأمراض المعدية التي تضعف جهاز المقاومة :-
مرض المناعة المكتسبة (الإيدز) وهو يمثل الإضعاف التام لجهاز المناعة وهناك أمراض أخرى تضعف جهاز المناعة بصورة اقل منها : مرض السل (الدرن).
5-عوامل خارجية :
وهي عوامل كثيرة نذكر منها ما يلي :
التدخين : يضعف المقاومة وخاصة الجهاز التنفسي .
الخمور : تضعف المناعة بصورة عامة وفي الجهاز التنفسي بصورة خاصة .
اللواط والزنا : تكرار الزنا يضعف المقاومة وخاصة الجهاز التناسلي .
الجماع أثناء المحيض : يضعف المقاومة في الجهاز التناسلي .
استخدام العقاقير : أهمها الكورتيزون .
الإجهاد الشديد .
ارتفاع درجة الحرارة أو انخفاضها الشديد :يضعف المقاومة بصورة عامة .
تلوث البيئة :يضعف المقاومة وخاصة الجهاز التنفسي .
ومع هذا فهناك عوامل كثيرة لا تزال مجهولة ، وقد يصاب الرجل القوي الموفور الصحة بالميكروب فيصرعه ويصاب به شخص هزيل يعاني من نقص الأغذية فلا يسبب له أي آذى وهناك عوامل كثيرة متشابكة متداخلة ولا نعلم منها سوي النزر اليسير .
مراحل وتطور الميكروب في جسم الإنسان .
ان ميكروب أي مرض عندما يدخل الى جسم الإنسان يمر بالمراحل التالية .
1-قلة كمية الميكروب .
إذا كانت كمية الميكروب الفيروسي او البكتريا او الطفيلي أو الفطري قليلة العدد فان الجسم يقضي عليها بسهولة ما عدا ان يكون فيها جهاز المناعة ضعيف جدا.
2-مرحلة الحضانة :
عندما تكون الكمية من الميكروب كبيرة نسبيا ويختفى الميكروب في الجسم لفترة معينة تسمي فترة الحضانة ففي هذه الفترة يتكاثر الميكروب في الجسم بدرجة كبيرة دون ان تظهر على الشخص المصاب أي آثار للمرض وتعتبر هذه الفترة عادة من اكثر الفترات التي يمكن ان تعدي الآخرين .
وتختلف فترة الحضانة من مرض لأخر:
فهي بضعة أيام فى الأنفلونزا ونزلات البرد والحمي الشوكية وتصل إلى ستة أشهر في فيروس الكبد من النوع (B) وتبلغ المدة بضع سنوات في فيروسات الإيدز وقد تصل في الجذام إلي 30 سنة .
3- مرحلة نهاية الحضانة :
عند انتهاء فترة الحضانة تظهر اثر المرض ويسمي الشخص في هذه الحالة مريضا ويصبح معرضا للاحتمالات الآتية :
أ-قد يتغلب الميكروب على الجسم وينتشر انتشارا كبيرا جدا بحيث يقضى على حياة المريض .
ب-قد يتغلب الجسم على الميكروبات ويشفي المريض وتزول الميكروبات من جسمه وتزداد لديه المناعة ضد هذه الميكروبات فيما عدا الأمراض الجنسية .
ج- قد يشفي المريض في بعض الأمراض من المرض الذي أصابه وتظل الميكروبات مختفية في جسمه وتفرز هذه الميكروبات في بعض الإفرازات لهذا الشخص ومثال ذلك مرض التيفود حيث يختفي الميكروب في مرارة الشخص المصاب ويفرز في الصفراء ويخرج مع البراز ويكون ذلك معديا للأمراض للآخرين رغم عدم وجود أية أعراض مرضية على المصاب ويسمي هذا الشخص حاملا للميكروب .
قد يدخل الميكروب إلى الجسم في بعض الحالات ويتكاثر فيه دون ان يحدث لان وسائل المقاومة تدافعه وتمانعه فلا ينتصر عليها ولا تنتصر عليه وإنما تبقي الحرب سجالا بينهما في هذه الحالات سنوات طويلة حاملا للميكروب معديا لغيره دون ان تظهر عليه أية أعراض مرضية .
تفاعل الميكروبات (عوامل العدوى )مع عوامل المناعة
تتفاعل الميكروبات المؤدية إلى المرض مع عوامل المناعة في جسم الإنسان مؤدية إلى النتائج التالية :
1-تغلب الجسم على الميكروب وسلامة الجسم من المرض وعدم ظهور المرض ويبقي الجسم سليما لا يحمل الميكروب .
2-تغلب الميكروب على الجسم وظهوره في هذه الحالة يكون المصاب فى الغالب معديا لما حوله بطريقة من طرق العدوى المختلفة وتكون في النهاية إما لصالح الجسم بمساعدة العقاقير أو بدونها أو لصالح الميكروب حيث يقضى على حياة المريض .
3-التعايش بين الجسم والميكروب وعدم تغلب أحدهما على الآخر ويكون الشخص سليما معافى في ظاهره معديا لغيره وهو في هذا حامل للمرض وحامل المرض او حامل الميكروب يمكن الميكروب من البقاء في المجتمع ر غم عدم حدوث أي مرض ظاهر به وفى حالات ميكروب الحمي الشوكية على سبيل المثال نجد ما يأتي :
1-في حالات عدم وجود أي وباء في المجتمع فان ما بين 3-10 % من السكان يحملون الحمي الشوكية في حلوقهم دون أي ظهور للمرض عليهم او علي غيرهم .
وفى حالات الحمي الشوكية يكون سبب انتشار الحمي الشوكية يكون سبب انتشار المرض حامي الميكروب من الأصحاب في الظاهر غالبا وليست الحالات المرضية القليلة وهناك عوامل عديدة لا تزال مجهولة تتحكم فى ظهور الوباء او عدم ظهوره وفى حالات حدوث الوباء فان ما بين 5 :24 من كل مائة آلف من السكان يصابون بالمرض وكانت الإصابة في الأطفال اكثر منها فى البالغين وفى أفريقيا ظهرت الحمي الشوكية بصورة وبائية متكررة فيما يعرف بجذام الحمي الشوكية حتى عام 1400 هـ –1980 ميلاديا ثم انخفضت الإصابات بشكل ملحوظ بعد تعميم التطعيم وانتشاره حتي عام 1406 هـ 1986 ميلاديا عندما ظهر الوباء مرة أخرى بسبب إهمال التطعيم ويكفي التطعيم في الغالب لمدة تتراوح ما بين ثلاث إلى خمس سنوات وهناك فصائل عديدة من ميكروب الحمي الشوكية بناء على الغلاف المتكون من المواد النشوية المخاطبة .
المناعة الطبيعية ضد الحمي الشوكية
عندما يولد الأطفال يكون لدي 50% منهم على الأقل مضادات الأجسام ضد الحمي الشوكية التي عبرت المشيمة من الأم أثناء الحمل . وفى خلال ستة اشهر الى سنتين يفقد هؤلاء الأطفال هذه المناعة المكتسبة من آلام فى مرحلة البلوغ يكون 70 % من البالغين قد تكونت لديهم مضادات الأجسام ضد الحمي الشوكية وهذا يعني ببساطة أن أغلبية السكان من البالغين يكون لديهم مناعة مكتسبة ضد ميكروب الحمي الشوكية وذلك نتيجة العدوى المستمرة من حامل الميكروب وليست هذه المناعة نتيجة التطعيم .
ومع هذا فليس كل من لديه مضاد ميكروب الحمي الشوكية بناج قطعا من الإصابة بها ولا كل من يملك مضادات الأجسام ضد الحمي الشوكية سيصاب حتما عند وجود الوباء
الطب النبوي والحجر الصحي
جاء الطب النبوي بأول مفهوم وقائي للحجر الصحي بل ان رسول الله أول من وضع قانون الحجر الصحي وسبق الطب النبوي بذلك الطب الحديث ففي الصحيحين عن عامر بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه انه سمعه يسأل أسامة بن زيد ماذا سمعت من رسول الله في الطاعون ؟ فقال أسامة قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (الطاعون رجز أرسل على طائفة من بنى إسرائيل وعلى كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليها وإذا وقع بأرض وانتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه .)
هذا الطاعون الذي لو علمت به اوروبا بقانون الطب النبوي وعملت به حين اجتاحها الطاعون فى أواسط القرن الرابع عشر الميلادي لخفت حينئذ الخسائر التي منيت بها الأرواح قد قدر عدد الموتى الذين قضي عليهم هذا المرض بنحو 25 مليون نسمة .
والطاعون من حيث اللغة نوع من الوباء قاله صاحب الصحاح وهو عند أهل الطب ورم رديء قتال يخرج معه تلهب شديد مؤلم جدا يتجاوز المقدار فى ذلك ويصير ما حوله في الأكثر اسود او اخضر ويؤؤل أمره إلى التقرح سريعا وفى الأكثر يحدث في ثلاثة مواضع في الإبط وفى خلف الأذن والأرنبة وفي اللحون الرخوة .
والمقصود بما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وقوع الطاعون ان الرسول الكريم جمع للأمة عند الدخول إلى الأرض التي هو بها ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه كمال التحرز منه فان فى الدخول في الأرض التي هو بها تعرض للبلاء وموافاة له في محل سلطانه وإعانة الإنسان على نفسه وهذا مخالف للشرع والعقل بل تجنبه الدخول الى أرضه من باب الحماية التي ارشد الله إليها .
وبلغة أهل الطب فان المفهوم الوقائي فيد حديث النبي عن الطاعون هو ما يتبع الآن فى الوقاية من الطاعون فإذا أصيبت مدينة ما بهذا الوباء أقيم حولها حجر صحي يمنع أي شخص من الخروج منها ويمنع دخول أي شخص إليها ما عدا الأطباء ومعاونيهم وبذلك يمنع المرض من الانتشار خارج هذه المدينة ويتم حصار الوباء في مكان واحد مما يسهل فيه مراقبة المصابين وعلاجهم .
بل ان الطب النبوي لم يغفل المفهوم الوقائي بالنسبة للحيوان وفى ذلك يقول النبي الكريم (لا يوردن ممرض على مصح )
أي لا يورد صاحب الإبل المريضة عام صاحب الإبل السليمة فيعدي مريضها سليمها .
ولقد أشار الشاعر العربي إلى ذلك بقوله " لا تربط الجرباء حول سليمة خوفاَ علي تلك السليمة تجرب " وقد عرف رسول الله العدوى وأوضح المفهوم الوقائي قبل أن يعرفه أطباء الشرق والغرب .
الأحاديث الواردة في العدوى
وقد ورد في سنة النبي صلي الله عليه وسلم التي صحت عنه و رواها البخاري ومسلم في كتاب الطب من صحيحهما أحاديث يبدو في ظاهرها التعارض مما حدا بأعداء السنة إلى إنكارها قديماَ أو حديثاَ .
وأهم هذه الأحاديث التي وردت في باب العدوى قول النبي صلي الله عليه وسلم 1- " لا عدوى ولا صفر ولا هامة " فقال إعرابي إإ فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء قيجىء البعير الأحدب فيدخل فيها فيجربها كلها ؟ فقال النبي صلي الله عليه وسلم " فمن أعدي الأول ؟ " رواه الشيخان واللفظ لمسلم .
2- " لا يورد ممرض علي مصح " أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم .
3- " لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر . وفر من المجذوم كما تفر من الأسد " أخرجه البخاري .
4- عن عمر بن الشريد قال " كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل اليه النبي صلي الله عليه وسلم : إنا قد بايعناك فارجع " رواه مسلم .
5- عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم " أخذ بيد مجزوم فادخله معه في القصعة ثم قال : كل باسم الله ثقة بالله وتوكل عليه " أخرجه الترمذي .
6- ومن ظاهر هذه الأحاديث يتوهم التعارض بين قول النبي صلى الله عليه لا عدوى "قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يورد ممرض على مصح "
وسوف نناقش في هذا البحث الموجز التناقض المدعي لنبين ان الاحاديث تحمل بذاتها أدلة على إعجاز السنة المطهرة .
الإعجاز العلمي في أحاديث العدوى
تذكر الأحاديث النبوية الشريفة التي قد ذكرناها في التمهيد انه لا عدوي وفى نفس الوقت يقول النبي صلى الله عليه سلم وفر من المجذوم فرارك من الأسد أخرجه البخاري "لا يورد ممرض على مصح " أحرجه الشيخان واللفظ لمسلم وقد التبس ظاهر هذه الأحاديث النبوية الشريفة على طائفة من الناس قديما وحديثا وخاصة في مجال الطب مما جعل بعضهم يردها ومما سبق ان شرحناه في موضوع الأمراض المعدية يتبين لنا إعجاز أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم فالأحاديث النبوية الشريفة توضح بجلاء ما توصل إليه العلم الحديث من ان دخول الميكروب بذاته إلي جسم الإنسان ليس كافيا لحدوث المرض وان هناك عوامل أخرى غير ظاهرة هي المسئولة عن حدوث الأمراض .
وعلى هذا نستطيع ان نقول بثقة ان الميكروب او الطفيلي او الفطر ليست وحدها المسئولة عن ظهور المرض المعدي وإنما هناك عوامل جديدة وعديدة بعضها معلوم وأكثرها مجهول تؤدي الى ظهور المرض او التغلب عليه .
والميكروبات الطبيعية التي تقطن في أجسامنا وتمدنا بكثير مما نحتاج إليه وتتعايش معنا في وئام وسلام قد تتحول طبيعتها المسالمة الوادعة فجأة وبدون إنذار إلى طبيعة عدوانية ماكرة فتهاجم أجسامنا وتعيث فيها فسادا فالميكروب وحده اذن لا يسبب الأمراض والعدوي لا تساوي العلة والسقم وانما هناك أسباب أخرى ليست بيد العبد ولا فى مقدوره ان يتحكم فيها وهي التي تمنح جسمه الصحة او المرض للعدوى او المقاومة .
وهذه الأحاديث الشريفة ترد الناس الى كمال التوحيد وتردهم الى بارئهم الذي ترجع إلى إرادته الأسباب .
ان فكرة التطعيم والتلقيح تتلخص في ان يدخل الطبيب الميكروب ميتا او ضعيفا الى جسم السليم فتتعرف عليه أجهزة المناعة وتضع المضادات ضده حتي إذا دخل الميكروب القوي هذا الجسم وجد أجهزة الدفاع على أتم استعداد لمقاومته .ولكن التطعيم والتلقيح قد يسبب مرضا خطيرا وبيلا .
وفى هذه الأحاديث ما يوضح حرص الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم على الوقاية من العدوى ومن الملفت للنظر في هذا الحديث النبوي ان هناك دورا من أدوار من أدوار مرض الجذام يبدو فيه المصاب بوجه ذى سحنة تشبه وجه الأسد ولذلك دعيت حديثا (السحنة الأسدية )؟ ولذلك فلا يتعارض قول النبى صلى الله عليه وسلم لا عدوي ………مع قوله وفر من المجذوم فرارك من الأسد وأيضا قوله للمجذوم في وفد بني ثقيف ان قد بايعناك فارجع وعلى الناحية الأخرى أخذه بيد المجذوم وأكله معه فى قصعة واحدة هو الإعجاز بعينه اذ ثبت علميا ان هناك نوعان من الجذام أحدهما درني قليل العدوى والآخر أسدي شديد العدوى ويتوقف ذلك على مناعة الجسم وانما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم ان يوضح ان المرض والصحة بيد الله تعالي وان الميكروب والعدوي به هي جزء من السبب وليست كل السبب فمن شاء الله أمرضه وجعل الميكروب في جسده فاعلا ومن شاء جعل الميكروب حصانة له عن طريق إثارة الجهاز المناعي لتكوين أجسام مضادة له فتأمل الإعجاز العلمي فى أحاديث وهدي المصطفى .
الإيدز
لقد خلق الله الإنسان فى احسن تقويم ورسم له فى إطار الشرائع السماوية أصولا وقواعد تضمن له الحياة السوية وتكفل له ولأسرته ومجتمعه السلامة من كل سوء ومن ذلك انه قد لفت نظره الى قيمة الصحة كما جاء في الحديث النبوي الشريف من أصبح منكم معافى في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا ، وكما جاء في الإنجيل مجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التي هي الله ثم حضه على المحافظة على الصحة وحذره من ان يلقى بأيديه الى التهلكة وأمره ان ينأي بنفسه عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن وبقدر ما عنيت الشرائع السماوية بصحة الفرد اهتمت ايضا بصحة المجتمع فقد جاء في الحديث الشريف لا ضرر ولا ضرار وتلك قاعدة ترسم للفرد حدود تصرفاته وتحظر عليه ان يوقع الأذى بالآخرين وانك لتجد فى الأديان السماوية جميعها نصوصا عديدة لترسيخ مفاهيم الصحة والوقاية وأنماط الحياة القويمة فضلا عن ضوابط التمتع بالحرية وبحقوق الإنسان .
ولقد أدت التطورات المتلاحقة التى طرأت على الحياة في هذا الكوكب الى عواقب عقيمة ومتسارعة وليس بخفى على أحد ما حدث من تغيرات فى سلوك الناس وأنماط حياتهم من جراء التزايد السكاني والهجرة الجماعية وتطور وسائل السفر والاتصال والإنجازات التكنولوجية وغير ذلك من مظاهر التطورات الاجتماعية والاقتصادية .
ان البشرية لم تواجه في تاريخها كله وباء في خطورة الوباء المعروف باسم متلازمة العوز المناعي المكتسب واختصارا باسم الإيدز او السيدا وهي يقينا لم توجه اهتماما ولم تبد خوفا كالاهتمام الذى وجهته والخوف الذي أبدته تجاه هذا المرض .
أن الإيدز مرض يفضى الى الموت وليس لدي الأطباء ولا فى المعامل ادوية مضادة له حتي الأن والإصابة به ترتبط في غالب صورها بممارسة الجنس في ظروف معينة او بأساليب خاصة .
وفضلا عن ذلك كله فان احدا لا يعرف حتي الأن كيف بدأت إصابة الإنسان به ولا احد يستطيع التكهن فضلا عن ادعاء المعرفة بالذي سيحل بالبشرية نتيجة توالي العدوي به على مدي السنين القادمة وقد زاد من حدة الغموض الذي يحيط بهذا المرض ان تبين بعد سنوات من التعرف عليه لاول مرة ان الإصابة به كانت منتشرة على نطاق واسع في بلدان كثيرة قبل ان يتبين العلماء وجوده وقبل ان توصف اولى حالاته عام 1981ميلاديا يذكر وينج ستادو جالو ان 8-10 % ممن دخل الفيروس الى أجسامهم ستظهر عليهم أعراض المرض خلال عام .
ونسبة اكبر ستظهر عليهم الأعراض المرتبطة بالإيدز وآخرين سوف تظهر عليهم اعراض مرض الغدد الليمفاوية المنتشرة المستمرة وقد ذكرت منظمة الصحة العالمية في اجتماعها المنعقد في باريس عام 1406 هـ يونية 1986 ميلاديا ان عدد حالات الإيدز تقدر بمائة الف حالة وان حاملى فيروس الإيدز يقدرون ما بين خمسة الى عشرة ملايين شخص وان عدد حالات الإيدز سوف يصل الى اكثر من مليون حالة في غضون خمس سنوات .
ومن الجدير بالذكر ايضا ان الميكروبات إذا دخلت جسم الإنسان وتغلب عليها جسم الإنسان بعد ظهور أعراض المرض تتكون لديه في الغالب مناعة ضد الإصابة بهذا الميكروب ولكن هذه القاعدة مستثناه بصورة خاصة في حالات الأمراض الجنسية فان الشخص إذا شفي من المرض الجنسي فانه يمكن ان يعود إليه مرة أخرى بنفس الضراوة والقوة إذا توفرت أسباب الإصابة به مرة أخرى.
وباختصار لا تتكون لدي الإنسان مناعة ضد الأمراض الجنسية وليس هناك حتي الأن تطعيم او تلقيح ضد تلك الامراض سواء كانت بكتيرية او فيروسية او طفيلية او فطرية ويمر فيروس الإيدز بمعظم المراحل ولابد من دخول ما يقارب مائة ميكرو لتر (وهو واحد من امليون من اللتر ) من الدم الملوث بفيروس الإيدز لحدوث العدوي .
ويحتوي كل ملليلتر من دم مريض الإيدز علي كمية من الفيروس تتراوح ما بين (10.000 و 100.000) وحدة فيروس فعالة وهذا يعني ان ما بين الف وعشرة آلاف وحدة فيروس فعالة تكفي لحدوث العدوي .
وتشير المصادر العلمية التي تعني بمتابعة حالات الإصابة بالإيدز الى انه من المتوقع ان يبلغ عدد المصابين به عام الفين الميلادي اربعين مليون مصاب منهم ثلاثون مليون من المصابين من البالغين وعشرة مليون من الأطفال .
وتقول المصادر نفسها انه اذا واصلت جائحة الايدز انتشارها دون كبح جماحها باكتشاف دواء فعال ووضعه فى متناول المصابين فانه من المقدر ان يتضاعف عدد الحالات بنسب تتعذر السيطرة عليها والوضع الحالى ليس اقل خطورة من توقعات المستقبل فان منظمة الصحة العالمية تتوقع ان عددا ما بين ثلاثمائة الف شخص ونصف مليون شخص تظهر عليهم أعراض المرض سنويا أي ما بين آلف والف وأربعمائة حالة يوميا ولا شك ان هذا كله يسوغ الخوف الذي تبديه جميع الدوائر المعنية بل الذي يبديه عامة الناس من هذا الوباء كما انه يسوغ الاهتمام الذي تبديه مختلف الجهات المختصة وعلى راسها منظمة الصحة العالمية بالتوعية والتوجيه ونشر المعرفة وتوسيع نطاق العلم بسبل الوقاية من هذا المرض الخبيث .
واذا كانت الجهود العلمية والطبية التى بذلت حتي اليوم لا تزال عاجزة عن اكتشاف لقاح او علاج يقي الناس من مخاطر الإيدز ومهالكه فان السبيل الوحيد الذي يحول بيننا وبين الإصابة المدمرة هو الوقاية واتقاء الشر قبل وقوعه بالابتعاد عن مصادر الخطر وليس يعين على ذلك شئ كما يعين عليه الوقوف عند اوامر الدين ونواهيه والتزام السلوك القويم الذي اجمعت عليه الدعوة إليه والحض عليها والترغيب فيه والترهيب من مخالفته الأديان السماوية كافة وقد جربت منظمة الصحة العالمية والمكتب الاقليمي لشرق البحر المتوسط خاصة في البرامج الصحية التى تنفذ مع الدول الأعضاء ان تأخذ بعين الاعتبار التقاليد والثقافات المحلية التي هي مستمدة اصلا من العقيدة الدينية فكان لهذا اكبر الآثر في نجاح تلك البرامج الصحية وفى الاستجابة لها على افضل وجه .
الإيدز وسائر الأمراض المنقولة جنسيا تمثل خطرا عاما:
كان بعض الناس يعتقد الى وقت قريب ان المنطقة العربية الإسلامية الواقعة ضمن اقليم شرق البحر المتوسط لمنظمة الصحة العالمية بمنأى عن الانتشار الوبائي لمرض الإيدز وعن الآثار المدمرة للأمراض الأخرى المنقولة جنسيا وخاصة تلك التي أصبحت ذات ابعاد وبائية على الصعيد العالمي وقد بينت الدراسات والابحاث والأرقام الإحصائية المتاحة ان هذا الاعتقاد غير صحيح جملة وتفصيلا ففي الوقت الحاضر توجد فيما يخص الإيدز شواهد متميزة على انتقال العدوي محليا فى كل بلدان الاقليم تقريبا … وبسرعة وخاصة بين أفراد بعض الفئات مثل مدمني المخدرات والبغايا واللوطيين حيث ارتفع معدلها الى عدة أضعاف في السنوات الأخيرة وفيما يخص الأمراض الأخرى المنقولة جنسيا تؤكد الشواهد ان معدلات العدوى والمرض في ازدياد ولعل من مسببات ذلك زيادة التحركات السكانية لاسباب طبيعية او اصطناعية وزيادة التحضر مع هجرة الناس من الريف الى الحضر وزيادة النشاط السياحي وهذه كلها لها تأثيرها على الأخلاقيات والسلوكيات .
وتزداد اهمية اتقاء الأمراض المنقولة جنسيا بصفة عامة فى مكافحة الإيدز إذا علمنا ان وجود مرض منقول جنسيا يزيد من فرص الإصابة بعدوي الإيدز بنسبة تزيد على 300 % ويزيد من خطر هذه الأمراض أن اكبر معدلات الإصابة بها فى الفئة العمرية 20-24 عام وبعدها فى الفئة العمرية 15-19 عام ثم في الفئة العمرية 25-29 عام .
ومع ذلك فان من حسن حظ هذا الإقليم ان القيم الخلقية والقيم الدينية لا تزال ذات تأثير كبير غير منكور بين أبنائه ولذلك فان القيمة العملية لهذه القيم تغدو بالغة الأهمية لم تقدمه من تأصيل دينى وخلقي لتحبيذ أنماط السلوك الصحى الواقي من التعرض للإصابة بالإيدز وسائر الأمراض المنقولة جنسيا بعد ان أصبحت مما عمت به البلوى ولم تعد منطقة من العالم ايا كانت محصنة ضد الإصابة ثم انتشار العدوي ثم تحول طبيعتها الى جائحة مهلكة تدمر الإنسان صانع كل حضارة والمستفيد الاول من كل تقدم مادي ومعنوي وإذا كانت عدوي الإيدز تنتقل أساسا بالمخالطة الجنسية بين الذكور والإناث وبين الشواذ جنسيا وفى اوساط مدمني المخدرات ولا سيما اولئك الذين يتعاطونها عن طريق الحقن في الوريد وعن طريق الحقن بإبر ومحاقن غير معقمة تعقيما صحيحا فان تبيان التعاليم الدينية في شأن صور السلوك المذكورة يكون امرا اساسيا في بناء حواجز الوقاية من مسببات العدوي او المرض
الدين والمتعة الحسية
قد يكون من المفيد ان نقرر فى هذا الموضع ان للدين موقفا معروفا وليس عليه خلاف من المتع الحسية وهو ليس موقف الإباحة المطلقة ولا هو موقف التحريم المطلق وانما يبيح الدين كل دين من هذه المتع صنوفا معينة تسمي بلغة الدين حلالا ويمنع صنوفا أخرى تسمي بلغة الدين حراما وليس في أحكام الشرع الرباني المنزل على أي من الأنبياء والرسل تحريم مطلق للمتع الحسية ولا إباحة مطلقة لها لان التحريم المطلق ينافي الفطرة البشرية التى خلق الإنسان عليها ففي هذه الفطرة غرائز وقوي تقتضي الإشباع بأنواع المتع الحسية المختلفة ولان الإباحة المطلقة تحول الإنسان من كائن مكرم متميز بعقله الى كائن ادني من الحيوان الأعجم الذي يهتدي بفطرته إلى ما ينفعه فيفعله والى ما يضره فيجتنبه واذا كانت طرق نقل العدوي .بالايدز وبالأمراض المنقولة جنسيا تدور فى معظمها حول محور المتع التى يحلها الإنسان لنفسه ، وصور السلوك التي يباشر بها الحصول على هذه المتع فان البحث في اثر الاستمساك بالدين وبقيم السلوك التي يفرضها وبالقيم الخلقية التى يوصي بها على الجهود والبرامج التى تنفذ لمواجهة وباء الإيدز وغيره من الأمراض المنقولة جنسيا .
وتؤكد المعلومات الطبية المتوافرة حاليا أن العدوى بفيروس العوز المناعي البشري (الإيدز) لا تحدث عن طريق المعايشة أو الملامسة او التنفس او الحشرات أو الاشتراك في الآكل والشرب او المراحيض أو حمامات السباحة او المقاعد أو أدوات الطعام او غير ذلك من اوجه المعايشة في الحياة اليومية العادية وانما تنتقل العدوى بصورة رئيسية بإحدى الطرق التالية :
1-الاتصال الجنسي بأي شكل كان .
2-نقل الدم الملوث او مشتقاته .
3-استعمال المحاقن الملوثة ولا سيما بين متعاطي المخدرات .
4-الانتقال من الأم المصابة الى طفلها .
بناء على ما تقدم فان عزل المصابين من التلاميذ او العاملين او غيرهم عن زملائهم الأصحاء ليس له ما يسوغه تعمد نقل العدوى بمرض الإيدز الى السليم منه باية صورة من صور التعمد عمل محرم ويعد من كبائر الذنوب والآثام كما انه يستوجب العقوبة الدنيوية وتتفاوت هذه العقوبة بقدر جسامة الفعل واثره على الأفراد وتأثيره على المجتمع فان كان قصد المتعمد إشاعة هذا المرض الخبيث فى المجتمع فعمله هذا يعد نوعا من الحرابة والإفساد فى الأرض ويستوجب إحدى العقوبات المنصوص عليها فى آية الحرابة (سورة المائدة اية 33).
وان كان قصده تعمد نقل العدوي لشخص بعينه وكانت طريقة العدوي تصيب به غالبا وانتقلت العدوي وأدت الى قتل المنقول إليه يعاقب بالقتل قصاصا .
وان كان قصده تعمد نقل العدوي لشخص بعينه وتمت العدوي ولم يمت الشخص المعدي عوقب المتعمد بالعقوبة التعزيرية المناسبة وعند حدوث الوفاة يكون من حق الورثة الدية واما اذا كان قصده هو تعمد نقل العدوي وإعداء شخص بعينه ولكن لم تنتقل العدوي الى هذا الشخص فانه يعاقب عقوبة تعزيرية.
وربما يحفز ذلك اناسا ان يعيدوا التفكير والتقدير فيصبحون بذلك اطوع للهداية وابعد عن الغواية ..(فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للإسلام) سورة الأنعام /125 .

الفصل السابع
سنن الفطرة وآثارها التربوية.
الأهداف التربوية :
بعد دراسة هذا الفصل من المتوقع أن يكون الطالب قادراً على أن :
يستنتج الإعجاز العلمي في الآيات القرآنية التي نزلت في وصف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
يدرك منهج التربية الإسلامية في الواقع العملي لحياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
يستنتج الآثار التربوية لتطبيق المسلم لسنن الفطرة.
يستنتج التوازن بين الجوانب الجسمية والروحية في تربية المسلم.
يستنتج أثرسنن الفطرة في التربية الجمالية.
يستنتج تكريم الله للمسلم بإتباعه سنن الفطرة.
يستنتج أهمية استقامة النفس البشرية في التربية الإسلامية.
يستنتج الإعجاز العلمي في حديث سنن الفطرة .
يدرك أهمية ختان الذكور من الناحية الطبية.
يستنتج الموانع الشرعية والضرورة الطبية لعدم إطالة الأظافر.
يستنتج الأضرار التي تسببها زوائد الأظفار.
يذكر الأمراض التي تصيب الأظافر بسبب طولها.
يستنتج الأهمية الطبية لإزالة الشعر الزائد من الجسم.
سنن الفطرة
أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الفطرة خمس: الختان، الاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأطافر، ونتف الإبط".
سنن الفطرة واثارها التربوية
إن الاسلام دين الفطرة التى قال فيها الحق سبحانه وتعالى (فطرة الله التي فطر الناس عليها )وتتمثل هذه الفطرة في طهارة المسلم ظاهرا وباطنا فاما طهارة الباطن فهي متعلقة بالقلب وتعني تطهير النفس الانسانية من الشرك واما طهارة الظاهر فهي الفطرة العملية التي تشتمل على كل ما هو متعلق بجمال المظهر عند الإنسان المسلم وحسن سمته لما فى ذلك من ملائمة للفطرة السوية التى خلق الله الإنسان عليها والتزام بهدي النبوة المبارك فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ان الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزء من النبوة "رواه ابو داوود .
ولان الإسلام هو دين الفطرة التى عرف أسرارها وكشف خباياها وسبر اغوارها فقد قدم لها ما يصلحها وما يصلح لها من تعاليم وسنن وتوجيهات جاءت كالثوب المناسب لمختلف الأعضاء والملائم لشتى الابعاد .
لذلك كله جاءت سنن الفطرة لتشكل رافدا من روافد التربية الجمالية في حياة المسلم ولتعرض نموذجا مثاليا لحياة المصطفى صلى الله عليه وسلم يحقق معنى التوازن الذي تفتقده جميع الفلسفات البشرية التي عرفها الإنسان قديما وحاضرا حيث انها ترتكز مرة على الجانب الجسدي وتارة على الجانب العقلي وأخرى على الجانب النفسي وهكذا ولكن سنن الفطرة تضع الشخصية المسلمة فى وضع متوازن عادل يمثل وسطية مطلوبة فلا إفراط ولا تفريط وليس هذا فحسب بل ان هذه السنن فى مجموعها تمنح الإنسان تكريما إلهيا يأتى كأبدع ما يكون التكريم وتحقق فيه ايضا هدف التربية الغالي فى استقامة الإنسان واستقامة الحياة وذلك اسمي ما تصبو اليه التربية عند بنائها لشخصية الإنسان المسلم .
سنن الفطرة نموذج تربوي ونبوي
تحتاج كل تربية الى نموذج واضح يجسد معالم هذه التربية ويوضح تعليمها بصورة واقعية تنقل المجرد الى المحسوس والقول الى عمل والنظرية الى تطبيق وفى التربية السلامية لا يوجد اعظم ولاأفضل ولا أكمل من شخصية محمد صلى الله عليه وسلم لتكون نموذجا حيا وقدوة حسنة للإنسان المسلم في كل زمان ومكان ولا ريب فهو من اصطفاه ربه جل وعلا وقال فيه "لقد كان لكم فى رسول الله اسوة حسنة " صدق الله العظيم (الاحزاب 21).
وهو الذي بعثه الله لأمته معلما ومزكيا ومربيا اذ اق لتعالي " لقد من الله على المؤمنين اذ بعث فيهم رسولا من انفسهم يتلو عليه آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة (آل عمران 164) وه الذي مدحه ربه سبحانه بما منحه فقال سبحانه فى كلمات موجزات (وانك لعلى خلق عظيم (القلم 4)
فكان كل خلق فاضل وسلوك سليم متمثل في حياة رسول لله وشخصيته المتكاملة التى استوعبت كل جوانب الحياة .
وبذلك جسد رسول الله صلى اله عليه وسلم منهج التربية الإسلامية السامية في الواقع العملي لحياته متمثلا فى سنن الفطرة فقد اخرج البخاري ومسلم فى الصحيحين عن ابى هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط من سنن الفطرة.
من هنا كان للمحافظة على هذه السنن اثر تربوي عظيم يتمثل فى التزام المسلم بها وتطبيقه لها في واقع حياته يدل على أمرين هما :
-التصديق بما ورد في سيرة الرسول والتقليد واتباع هدي التربية النبوية فى كافة الأعمال وجميع التصرفات وهذا بدوره كفيل بتعود المجتمع المسلم بمن فيه من أفراد على السمع والطاعة والامتثال لأوامر الله والرسول صلى الله عليه وسلم لا سيما وان في الناس نزعة فطرية لتقليد ومحاكاة من يحبون وليس هناك احب عند المسلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
-اتخاذ القدوة الحسنة من المعلم الأول والمربي الأعظم – صلي الله عليه وسلم كشخصية فذة متكاملة متوازنة وتتضح هذه القدوة في اهتمامه بالجوانب المتعلقة بالجانب الجسمي والنظافة العامة حينما يتفقد المسلم أظافره فيقصها وفمه فينظفه وأسنانه فيسوكها وشاربه فيقصه وإبطيه فينتفهما 000 الخ
وهذا بدوره ينفي الزعم الباطل القائل بأن الإسلام لا يهتم بالناحية الجسمية والروحية والعقلية فلا يستغرب بعد ذلك أن يعرف المسلم لآول وهله حين يري سمته ووقاره وهيئته الخارجية وشكله العام الذي يميزه عن غيره من الناس لأن هذه السنن في مجموعها جعلت له شخصية مميزة ومظهراَ خاصاَ ونموذجاَ فريداَ يقتدي فيه بإمام الطاهرين وقدوة الناس أجمعين – صلي الله عليه وسلم .
سنن الفطرة والتربية الجمالية
تدعو التربية الإسلامية دائما ، وتحث على الإهتمام بالمظهر الشخصى والناحية الجمالية ، ليكون المسلم جميلاً فى مظهره ، متناسقاً فى هندامه ، بعيداً عن القذارة والإهمال. قال تعالى " يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد" سورة الأعراف الآية 31.
فالله سبحانه وتعالى كما جاء فى الحديث "جميل يحب الجمال". وليس هذا فحسب بل إن فى ذلك إشباع لحاسية الجمال فى نفس المسلم ، فيتولد فى أعماقه إيمان شديد بعظمة الخالق سبحانه الذى أحسن كل شئ خلقه ، والذى صورنا فأحسن صورنا ، وخلقنا فى أحسن تقويم. ومن عناية الإسلام بالمظهر الحسن والهيئة الجميلة أمره للمسلم وحثه على إياه للإلتزام بسنن الفطرة التى تربى عليها المسلم تربية جمالية تتمثل فى:
الطهارة الحسية الجسدية: وهى مما يحبه الله سبحانه وتعالى "والله يحب المتطهرين" سورة البقرة الآية108. وكما روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم "تنظفوا فإن الإسلام نظيف" رواه أبن حيان.
وطهارة الظاهر تتبعها طهارة الباطن فى الأخلاق و السلوك، ومن ثم يتم تطهير الحياة الاجتماعية عامة حتى تصبح التربية شاملة للنفس والعقل والجسم.
تأليف القلوب ومد جسور المحبة والمودة، وتوطيد الصلة بين الإنسان المسلم والمحيطين به خارج وداخل البيت فالمسلم بالتزام سنن الفطرة يقرب من قلوب الخلق، وتحبه النفوس لنظافته وطيبه.
سنن الفطرة تنمي لدى الإنسان الإحساس بالجمال، وتنمي طاقاته وملكاته المستشعرة لمعنى الجمال في خلق الله سبحانه.
وأحسب أن قول النبي صلى الله عليه وسلم : "إن الله جميل يحب الجمال" إنما هو دعوة إلى التخلق والتحلي بالجمال الذي هو البهاء والحسن وجمال الصورة وجمال المعنى على حد سواء.
سنن الفطرة والتوازن في شخصية المسلم
مما لا شك فيه أن الكيان البشري يشتمل على عدة وحدات هي: الجسم، والعقل، الروح. ولذلك فإن التربية الإسلامية حرصت على الربط بين هذه الوحدات لتجعل منها كيانا واحدا مترابطا، واختلط لذلك منهجا فريدا في إحاطته بجميع الجوانب الإنسانية، فجاء هذا المنهج متوازنا مهتما بالذات الإنسانية في كل حالاتها. ولا ريب فهي تربية للإنسان كله جسمه وعقله، روحه ووجدانه، خلقه وسلوكه، سرائه وضرائه، شدته ورخائه، أي أنها تشمل كل الجوانب الشخصية دون قهر أو كبت أو فوضى أو تسيب أو إفراط أو تفريط.
ولذلك جاءت شخصية الإنسان متوازنة سوية متكاملة، لا يطغى فيها جانب أو يهمل على حساب الجانب الآخر. وهذا هو ما نلمسه في هذه السنة هي التي إلى جانب كونها من المظاهر الدنيوية فهي عبادة يثاب عليها المرء، وتكسبه الأجر والثواب متى قصد بها وجه الله سبحانه والاقتداء بهدي النبوة. وهذا بدوره يربط بين الهدفين الديني والدنيوي للتربية الإسلامية. وبذلك يتحقق التوازن في شخصية الإنسان المسلم حينما نرى أن التزامه بهذه السنة يجعل الجسم يحظى بحق من العناية والرعاية والاهتمام فيما يخص المظهر الخارجي والشكل العام اللائق المقبول. فيدل ذلك على أن الإنسان ينعم بعقل راجح وتفكير سديد، ومدارك واسعة وفهم عميق لحقائق الأشياء وجوهرها. الأمر الذي يدفعه من ثم إلى السمو الروحي والرفعة الإنسانية والتعالي عن سفاسف الأمور وصغائرها وحطامها المادي الحقير. كما أن اتباع المسلم لسنن الفطرة يؤدي إلى ما يسمى بالقبول الاجتماعي للفرد. حين يقترب منه الناس ويطمئنون إليه ويعاملونه بكل حب وتقدير واحترام لأنه يفرض ذلك عليهم بحسن مظهره وحسن تدبيره.


سنن الفطرة دليل تكريم الله للإنسان المسلم
لما كان الدين الإسلامي هو المنهج الرباني المتكامل والمناسب للفطرة الإنسانية، لأنه جاء من عند الخالق عز وجل لصياغة شخصية الإنسان صياغة متوازنة متكاملة، لا ترفعه إلى مقام الألوهية، ولا تهبط به إلى درك الحيوانية أو البهيمية، وإنما لتجعل منه خير نموذج على الأرض، فقد خصه جل وعلا بتكريم يليق به لكونه جعل في الأرض خليفة ليعمرها وينشر منهج الله بين ربوعها ويقيم شريعته فيها. ثم لأنه جلا وعلا خلقه في أحسن تقويم فكرمه بالصورة الحسنة والمظهر الجميل، فكانت سنن الفطرة عاملا مهما في إبراز هذا الجمال والمحافظة عليه.
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن في هذه الخصال والسنن النبوية نمطا تربويا إسلاميا يتناسب مع مسئوليات هذه الخلافة ووظائف تعمير الكون، إلى جانب كونها تحقق مبدأ التكريم الإلهى للإنسان في هذه الحياة الدنيا. وهو أمر يتميز به الإنسان عن غيره من الكائنات الحية الأخرى لقوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهاهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" (الإسراء 70). ففي قص الأظافر مثلا تمييز للإنسان المسلم عن غيره من الكائنات ذات المخالب من كواسر وقوارض ونحوها. وفي خلق الشعر وقصه ونتفه تمييز للإنسان المسلم عن غيره من المخلوقات ذات الشعور المرسلة، والمسدلة على أجسادها بلا ترتيب ولا انتظام. وفي السواك والمضمضة تمييز للإنسان المسلم عن غيره من الكائنات التي لا تنظف أفواهها ولا تعتني بنظافة أسنانها .. وهكذا.
وهذا فيه رفع لمستوى الإنسان المسلم وتكريم له على غيره من الكائنات والمخلوقات الأخرى لذا كان على الإنسان المسلم أن يحترم هذه المكانة التي أنزله الله إياها، وألا يهبط بها عن مستواها الإنساني الرفيع الذي خصه الله به عمن سواه. ومن هنا نرى أن سنن الفطرة دليل على تكريم الخالق سبحانه للإنسان لأمرين هما:
إن تكريم الله سبحانه للإنسان نابع في الأصل من كون هذا الإنسان يحمل منهج الله في الأرض، وأن هذا المنهج يعتمد على مصدرين رئيسيين أحدهما متمثل في اتباع الهدى النبوي والسنة المطهرة.
أن من السنة الاقتداء برسول الله، وهذا يحصل للمسلم عن طريق محافظته على سنة الفطرة.
سنن الفطرة والاستقامة الإيمانية
من المسلمات أن التربية الإسلامية تسعى إلى تحقيق غاية عظمى، وهدف أسمى يتمثل في استقامة النفس البشرية على نهج الإيمان الواضح الصحيح الذي لا تشوبه شائبة، وذلك أمر لا يمكن تحقيقه إلا بممارسة شرائع الإسلام واتباع تعاليمه، والانقياد لأوامره والابتعاد عن نواهيه.
ومن هنا يمكن القول بأن من ثمرات إلتزام المسلم بسنن الفطرة ما تحققه من ملامح الاستقامة الإيمانية عنده حينما يطبقها بشكل مناسب ومقبول يعتمد في المقام الأول على الاعتدال والاتزان والاتباع لهدى النبي صلى الله عليه وسلم دون ما إفراط أو تفريط. إضافة إلى تربية المسلم على الاستمرارية والمواصلة والمحافظة على هذه السنن المباركة والخصال الحميدة لما فيها من خير للفرد وصلاح المجتمع.
الإعجاز العلمي في حديث سنن الفطرة:
أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الفطرة خمس: الختان، الاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأطافر، ونتف الإبط".
1-الختان:
نشرت حديثا (مارس ومايو 1990) أشهر المجلات الطبية الأمريكية أن 61% - 85% من أطفال أمريكا يخنتون بعد الولادة .. فقد يعجب المرء حين يعلم أن اليهود في أمريكا قلائل .. وكذلك المسلمون .. فنصارى أمريكا إذن يختنون ..
لماذا هذا؟ ونحن نعلم أن النصارى لا يختنون؟ .. ونعلم أيضا أن أوربا المسيحية كانت تعادى الختان .. وبقراءة ما نشر في موضوع الختان في المجلات الطبية الحديثة كان هناك ما يربو على مئة مقال، نشرت جميعها في السنوات القليلة الماضية في أشهر المجلات الطبية الأمريكية والعالمية.
الختان في الأديان السابقة
جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين بالقدوم" وقال ابن القيم: "وقد روي أن إبراهيم كان أول من اختتن، واستمر الختان بعده في الرسل وأتباعهم حتى في المسيح فإنه اختتن والنصارى تقر بذلك ولا تجحده، كما تقر بأنه حرم الخنزير". واهتم بالختان اليهود على وجه خاص، فقد جاء في سفر التكوين: "هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم، وبين نسلك من بعدك، يختن كل ذكر". ويبدو أن الختان مشروع في النصرانية إلا أن النصارى قد حرفوا كتابهم وأعرضوا عن تعاليمه، فقد ورد ذكر الختان في إنجيل برنابا: "أجاب يسوع: الحق أقول لكم إن الكلب أفضل من رجل غير مختون".
الختان في الإسلام
وردت في السنة النبوية عدة أحاديث عن الختان، فقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط". وروي الإمام أحمد حديث شداد بن أوس مرفوعا: "الختان سنة للرجال مكرمة للنساء".
ماذا يقول علماء طب الأطفال في أمريكا عن الختان؟ كتب البروفسور Wisewell وهو رئيس قسم أمراض الوليدين في المستشفى العسكري بواشنطن- مقالا في مجلة American Family Physician في عدد آذار (مارس) 1990 جاء فيه: "لقد كنت في عام 1975 من أشد أعداء الختان، وقد شاركت في الجهود التي بذلت حينئذ للإقلال من نسبة الختان. إلا أنه في بداية الثمانينات أظهرت الدراسات العلمية ازديادا في نسبة التهاب المجاري البولية عندغير المختونين. ومع ذلك فلم أكن اقترح آنئذ جعل الختان روتينيا. ولكن .. وبعد تمحيص دقيق وإجراء دراسة موضوعية للأبحاث والدراسات التي نشرت في المجلات الطبية عند الختان .. فقد وصلت إلى نتيجة مخالفة .. وأصبحت من أنصار جعل الختان أمرا روتينيا يجري عند كل طفل.
وليس هذا فحسب بل إن التقرير الذي أصدرته عام 1989 الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال قد جاء مخالفا للتقرير الذي صدر عام 1970، وتراجع عن عدائه للختان. وأكد حديثا الفوائد الطبية العظيمة للختان عند الأطفال.."
وختم البروفسور مقالة الشيق بالقول: "وفي يوم 8 آذار 1988 صوت أعضاء الجمعية الطبية في كاليفورنيا بالإجماع على أن ختان الوليد وسيلة صحية فعالة. لقد تراجعت عن عدائي الطويل للختان، وصفقت مرحبا بقرار جمعية الأطباء في كاليفورنيا".
أجل لقد تغيرت المواقف والآراء .. وتراجع الذين كانوا من أشد الناس عداوة للختان .. وأصبحوا من أكثر الناس حماسا له. عادت الفطرة البشرية لتثبت نفسها من جديد إنها الفطرة التي لا تتغير على مر العصور: "فطرت الله التي فطر الناس عليها".
الختان ونظافة الأعضاء الجنسية
كتب الدكتور "شوين" في مقالته الرئيسية في مجلة New England Journal Medicine عام 1990 يقول: "لا شك أن ختان الوليد يسهل نظافة الأعضاء الجنسية على مدى العمر وفي مختلف الظروف البيئية. فالختان يمنع تجمع الجراثيم الممرضة تحت القلفة في فترة الطفولة. ويقول الدكتور "شوين" وهو من أشهر أطباء الأطفال في العالم مؤكدا أهمية نظافة المناطق الجنسية في الوقاية من سرطان القضيب: "إن الحفاظ على نظافة جيدة في المنطقة الجنسية أمر عسير، ليس فقط في المناطق المختلفة من العالم بل حتى في دولة كبرى ومتحضرة كالولايات المتحدة التي تضم العديد من الأعراق مع اختلاف شائع في العادات والتقاليد الإجتماعية، وحتى في بلد متحضر أصغر، غالبية سكانه من عرق واحد، فإن الأدلة العلمية تشير إلى أن العناية بنظافة الأعضاء التناسلية ما تزال سيئة. ففي دراسة أجريت على أطفال المدارس البريطانيين غير المختونين، وجد أن العناية بنظافة الأعضاء الجنسية سيئة عند 70% من هؤلاء الأطفال. وفي دراسة أخرى من الدانمارك، يتبين وجود التصاقات في القلفة عند 63% من الأطفال غير المختونين في سن السادسة من العمر" . هذا ما يؤكده رئيس فريق علمي كبير في أمريكا نهض لبحث أمر الختان .
لقد أتي الإسلام بحل لهذه المشكلة ، إنه الختان الذي أرشدنا إليه رسول الإنسانية – صلي الله عليه وسلم . قال تعالي : (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها) "الروم:30"
الختان والتهاب المجاري البولية
أكد عدد من الدراسات العلمية الحديثة التي نشرت عام 1989 أن احتمال حدوث التهاب المجاري البولية عند الأطفال غير المختونين يبلغ 39 ضعف ما هو عليه عند المختونين. ففي دراسة أجريت علي أكثر من 400 ألف طفل وطفلة وجد البروفسور "ويزويل" ارتفاع نسبة التهاب المجاري البولية عند الأطفال الذكور نتيجة لحدوث الالتهاب عند الأطفال غير المختونين . وقدر الباحثون أنه لو لم يجر الختان في الولايات المتحدة ، فستكون هناك عشرون ألف حالة أخرى من التهاب الحويضة والكلية . وتقول مجلة اللانست البريطانية الشهيرة في مقال نشر عام 1989 : " إن ختان الأطفال في الفترة الأولي من العمر يمكن أن يخفض نسبة التهاب المجاري البولية عند الأطفال بنسبة 90% .
الختان وسرطان القضيب
نشرت المجلة الطبية البريطانية B.M.J عام 1987 مقالاً عن هذا المرض جاء فيه : " إن سرطان القضيب نادر جداً عند اليهود ، وفي البلدان الإسلامية حيث يجري الختان أثناء فترة الطفولة " .
وسرطان القضيب مشكلة هامة في عدد من بلدان العالم فهو يشكل 12-22% من كل سرطانات الرجل في الصين وأوغندا وبورتوريكو.
ونشرت مجلة المعهد الوطني للسرطان دراسة أكدت فيها أن سرطان القضيب ينتقل عبر الاتصال الجنسي ، وأشارت إلي أن الاتصال الجنسي بالبغاياً يؤدي إلي حدوث هذا السرطان . ونشرت المجلة الأمريكية لأمراض الأطفال Am.J.DIS.Child حديثاً مقالاً جاء فيه : " إن الرجل غير المختون يعتبر معرضاً للإصابة بسرطان القضيب ، في حين يمكن منع حدوثه إذا ما اتبع مبدأ الختان عند الوليدين " .
وقد وجد أن الختان (الطهارة) يزيل عن القضيب المنطقة التي تفرز مادة كيميائية تسمي علميا (سمقما) .. هذه المادة أثبتت بعض التجارب التي أجريت عليها أن وضعها مدة طويلة علي مناطق من جلد بعض الحيوانات يؤدي إلي حدوث أمراض سرطانية بالمنطقة التي وضعت عليها هذا ما يقرر علماء الطب اليوم ، وهذا ما قرره الإسلام منذ أربعة عشر قرناً !
الختان والأمراض الجنسية
جاء في مقابلة مجلة New Engand Journal of Medicine المنشورة عام 1990 " إن الختان قد ساعد علي منع حدوث التهابات الحشفة والوقاية من حدوث الأمراض الجنسية عند الجنود الأمريكان إبان الحرب العالمية الثانية وخلال حرب كوريا وفيتنام" . وأكدت دراسة حديثة من أستراليا وجود ازدياد واضح في حدوث أربعة أمراض جنسية عند غير المختونين ، وهي الهربس التناسلي Genital Herpes وداء المبيضات Candidiasis ، والسيلان Gonorrhea والزهري Syphilis .
الختان ومرض الإيدز
" الختان يقي من مرض الإيدز هو موضوع مقال نشر حديثاً (1989) في مجلة Scienceالأمريكية . فقد أورد المقال ثلاثة دراسات علمية أجريت في أمريكا وأفريقيا . وأكدت هذه الدراسات انخفاض نسبة الإصابة بمرض الإيدز عند المختونين ".
أليس هذا بالأمر العجيب !! فحتى أولئك الذين يجرؤون علي معصية الله بالشذوذ الجنسي يجدون خصلة من خصال الفطرة يمكن أن تدفع عنهم غائلة هذا المرض الخبيث .
ولكن لا يظن أحد أنه إن كان مختوناً فهو في مأمن من داء الإيدز … فهو يحدث عند المختونين ، وإن كانت نسبة حدوثه أقل عند المختونين . وهكذا تثبت الأبحاث العملية أن ما جاء به المصطفي هو الحق ، وأنه لا تبديل لفطرة الله التي فطر الناس عليها .
2-تقليم الأظافر :
فلقد ورد بشأن (تقليم الأظافر) أحاديث صحاح كثيرة ، وهو فضلاً عن كونه واحدا من سنن الفطرة إلا أنه يدخل في موضوعات (التراث الطبي النبوي) المتعلقة بالطب الوقائي والمحافظة علي سلامة الأبدان ، شأنه في ذلك شأن نظافة العجان ، واستعمال السواك ، والمضمضة والاستنشاق في الضوء ، وغسل اليدين قبل تناول الطعام ، إلي غير ذلك من التعاليم الإسلامية وآداب الطهارة والزينة ، التي هي في حقيقتها دعائم للطب الوقائي بالمفهوم المعاصر ، والذي يمكن أن نضعها في الإطار الموضوعي العلمي (الطب الوقائي الإسلامي) .
تقليم الأظافر في ضوء التراث النبوي الشريف
معاني التقليم :
التقليم لغة :
هو تفعيل من القلم وهو القطع ،و كل ما قطعت منه شيئا بعد شئ فقد قلمته ، قال الليث : القلم قطع الظفر بالقلمين .
وقال الجوهري قلمت ظفري وقلمت أظافري : شدد للكثرة .
تقليم الأظافر شرعاً :
إزالة ما يزيد علي ما يلابس رأس الإصبع من الظافر ، ويستحب الاستقصاء في إزالة الأظافر إلي حد لا يدخل منه الضرر علي الإصبع .
التقليم اصطلاحاً ؟
إزالة ما يزيد عن الشيء ليكون صالحاً لأداء مهمته ومناسبا للاستعمال . فالقلم يقطع مرة بعد مرة أي (يقلم) ليظل صالحاً ومناسباً للكتابة به والشجر – كذلك – يقلم بإزالة ما ضعف من فروعه وأوراقه ، ليظل مورقا ، قوي الأغصان ، مثمراً.
والظفر كذلك ، يقلم بقص ما يزيد منه علي ما يلابس رأس الإصبع ، ليظل محافظا علي حيويته وسلامته ، مؤديا لمهمته .
أولا : تقليم الأظافر من سنن الفطرة
لقد روي عن النبي صلوات الله وسلامه عليه ، الأحاديث الصحيحة عن سنن الفطرة ومنها (سنة تقليم الأظافر) . وقد وردت هذه السنة في كتب الحديث الصحيحة لأئمة الحديث (البخاري – ومسلم – ومالك – والترمذي – وأبو داود هـ النسائي .. رضي الله عنهم) وجاءت في مواضع متعددة منها : في صفة النبي ، في الطهارة ، في الأدب ، في الزينة ، في اللباس … باب خصال الفطرة ، باب ما جاء في السنة في الفطرة ، باب ما جاء في تقليم الأظافر . باب قص الشارب – باب نتف الإبط . ومن هذا يتبين أهمية " سنة تقليم الأظافر" في الهدي النبوي الشريف وفي الآداب الإسلامية .
عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي ، قال : (الفطرة خمسة ، أو خمس من الفطرة . الختان ، والاستحداد وتقليم الأظافر ، ونتف الإبط وقص الشارب) متفق عليه .
الاستحداد :- حلق العانة ، وهو حلق الشعر الذي حول الفرج .
عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله : عشر من الفطرة : قص الشارب وإعفاء اللحية ، والسواك واستنشاق الماء وقص الأظافر ، وغسل البراجم ، ونتف الإبط ، وحلق العانة وانتقاص الماء يعني الاستنجاء .
عن أبي هريرة رضي الله عنه : قال : سمعت رسول الله يقول : (الفطرة خمسة ، الختان ، والاستحداد ، وقص الشارب ، وتقليم الأظافر ، ونتف الإبط) .
وفي رواية : الفطرة خمس – أو خمس من الفطرة .. وذكر نحوه أخرجه الجماعة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، أن رسول الله قال " من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظافر وقص الشارب" أخرجه البخاري .
ثانياً : التوقيت في تقليم الأظافر
عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال " وقت لنا رسول الله صلي الله عليه وسلم في قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة" . أخرجه أبو داود والترمذي ومسلم والنسائي . في صحيح مسلم عن أنس قال : "وقال لنا النبي في قص الشارب وتقليم الأظافر ، ألا نترك أكثر من أربعين يوما وليلة".
وقال النبي صلي الله عليه وسلم " من قلم أظافره يوم الجمعة وقي من السوء إلي مثلها" رواه الطبراني في الأوسط عن عائشة رضي الله عنها .ومما سبق من الأحاديث نري أن التوقيت في تقليم الأظافر وضع بين حدين :
الحد الأعلى الذي لا يزيد عنه المسلم في ترك الأظافر ، وهو أربعين يوما ( أو أربعون ليلة) ، وجاء التحديد بصورة النهي بعبارة" أن لا نترك) .
2-الحد الأدنى لمدة أسبوع . وفي يوم الجمعة بالذات ، ليكون تقليم الأظافر ضمن سنن الجمعة . وجاء التحديد بصورة الترغيب بعبارة" وقي من السوء" .
ثالثاُ : الموانع الشرعية لإطالة الأظافر
قد تكون (إطالة الأظافر) إهمالا وجهلا ، وهذه خصلة منفرة وغير مقبولة لدي المجتمعات المتحضرة لأتساخ الأطافر وقبح شكلها .
وهنا علي الجانب الآخر إطالة الأظافر تأنقاً وتجملا ، وزينة ، باسم التمدن (والموضة) وقد انتشرت هذه الخصلة السيئة في العالم ، انتقلت إلي العالم الإسلامي رغم مخالفتها الآداب الإسلامية وسنن الفطرة كما وردت بالسنة النبوية الشريفة وابتلي بها نساء المسلمين بصفة خاصة . وأصبح العالم – الآن – ينفق المبالغ الضخمة علي (إطالة الأظافر) وتجميل هذه الزوائد المخلبية ، والمحافظة عليها كما أصبح لهذه البدعة السيئة المنافية لتعاليم الإسلام – من يهتم بها ويحرص عليها من المتخصصين والخبراء ،و أصحاب الحرف ، وشركات إنتاج المستحضرات ، ومحلات بيع هذه المستحضرات ، والكل مسخر للعناية بهذه المخالب البشرية تلبية لرغبات من يتزينون بها ، وذلك وفق مخططات شيطانية عالمية لاستدراج البشرية إلي مهاوي الرذيلة ومواطن الفساد في كل أمور الحياة.
وحديث إن إطالة الأظافر عمدا والتزين بهذه الزوائد المخلبية يعتبر عملا منافياً لتعاليم الإسلام ، فمن الواجب علي المسلمين أن يتجنبوا تلك البدعة السيئة وإلا فإنهم يرتكبون عملا مخالفا لشريعة الإسلام ، كما من يكتسب من طريق هذه البدعة السيئة – يكون مكتسباً من عمل لا يقره الإسلام ، وعليه أن يترك هذا العمل ويكتسب من طريق آخر لا يتعارض مع تعاليم الإسلام ، ليكون مكسبه حلالا.
ونذكر المخالفات والموانع الشرعية المتعلقة بإطالة الأظافر فيما يلي :
1-تتعارض بدعة إطالة الأظافر مع سنن الفطرة التي جاءت بها الأحاديث النبوية وهي بالتالي تتعارض مع هدي النبي صلي الله عليه وسلم ، والمسلمون مطالبون باتباع كل ما جاء به النبي صلي الله عليه وسلم ، واجتناب كل ما نهي عنه .
2-الأظافر الطويلة قد تكون سببا في تعذر وصول الماء إلي مقدم الأصابع ، كما أن المستحضرات التي تدهن بها الأظافر بقصد تجميل (الزوائد المخلبية) تترك طبقة ذات سمك علي الأظافر ، وتحول بينها وبين ماء الوضوء ، ويترتب علي ذلك في كلا الحالتين عدم إسباغ الوضوء ، أو عدم حسنه ، مما يتطلب إعادة الوضوء مرة أخرى ، وإزالة (الدهانات) قبل الوضوء . وهناك فتاوى بعدم صحة الوضوء في حالة وجود مواد التجميل ذات السمك والتي تسمي (مونيكير) علي الأظافر ، ووجوب إزالتها من علي الأظافر قبل الوضوء ليصح الوضوء وتصح الصلاة ، ومن هذا نري أن الأظافر الطويلة قد تكون سببا في عدم صحة الوضوء.
3-الأضرار المترتبة علي طول الأظافر – والتي سنذكرها بمشيئة الله – في مبحث الدراسات الطبية – تجعل هذه البدعة تتعارض مع شريعة الإسلام – القي جاءت تحافظ علي حياة الإنسان وصحته وسلامته ( ولا تلقوا بأيديكم إلي التهلكة في) " سورة البقرة / 195" " لا ضرر ولا ضرار" .
4-إطالة الأظافر "تشبه ومحاكاة لأهل الكفر والفساد ، في عمل يتعارض مع الهدي النبوي ، ولا يخفي علي أي مسلم أن التشبه بأعداء الإسلام في تقاليدهم ولباسهم ومناسبتهم عمل بتعارض مع شريعة الإسلام ، وهو منهي عنه خاصة إذا كان التشبه من باب الاستحسان والتقدير في أمور تتعارض مع تعاليم الإسلام .
التغريب Westernization : وهو اصطلاح يقصد به "طبع المسلمين بطابع الحضارة الغربية وإزالة الحواجز الناشئة عن الاختلاف في الدين واللغة وفي التقاليد والعادات " وذلك لسهولة التأثير والسيطرة عليهم ، وإبعادهم عن دين الإسلام ولقد اجتاحت (دعوة التغريب) وقام أعداؤهم من خارج العالم الإسلامي ومن داخله بتنفيذ تلك المخططات التي أخذت أشكالا معددة الجوانب وأساليب متنوعة لكل دعاتها .
والمنفذين لها ، والواقعين في شركها : فالذوق والأناقة ، وآداب التعامل (الإتيكيت) ..من وسائل التغريب ,أكثرها قبولا وشيوعا في العالم المعاصر (وإطالة الأظافر) واحد من أساليب التغريب ، تسلل إلي المجتمعات الإسلامية النسوية تحت ستار مقاييس جمال المرأة ودخل من باب التجميل وما يتصل به من الأدوات والأساليب والبواعث والمناسبات في الاتجاه نحو التغريب وإطالة الأظافر التجميلي الذي ابتدعه غير المسلمين ، ويقومون بالتحكم فيه وتغييره من وقت لآخر باسم (الموضة) يكلف المرأة الكثير من المال والاهتمام والوقت والجهد ويكفي أن نعلم أن تجميل تلك (الزوائد المخلبية) يمر بعدة مراحل ويقوم به حرفيون متخصصون حرفتهم تجميل الأظافر الطويلة ، كما أن هذا التجميل بالذوق غير الإسلامي يحتاج إلي العديد من المستحضرات ، تشتريها المرأة وتقتنيها بصفة دائمة ، وتفرد لها نفقات خاصة ضمن ما تشتريه من مستحضرات التجميل الأخرى ذات الأذواق الغربية والاتجاهات غير الإسلامية والتي تكلفها الكثير من المال .
وكل ما تنفقه المرأة لتجميل الأظافر الطويلة والعناية بها يوجه إلي غير الوجهة الإسلامية المشروعة ، فضلا عن الإسراف والتبذير ، وكلها تصرفات يحذر منها الإسلام وينهي عنها
5-إطالة الأظافر ، فضلا عن كونه تباعدا عن الطبيعة الإنسانية وعن سنن الفطرة (فطرة الله التي فطر الناس عليها) فإنه نزوع إلي الطبيعة الحيوانية وتشبه بالحيوانات ذات المخالب ، ولا غرابة في هذا التشبه من جانب غير المسلمين وقد اعتنقوا بفكرهم الإلحادي وعملهم المادي ما يسمي (بالدارونية) أو (التطور) وحسبوا الإنسان من سلالة حيوانية ، تلي القردة في سلم التطور الحيواني .
الجانب الطبى لتقليم الأظافر
وظيفة الظفر (الظفر العادي الفعال )
حماية اطراف الاصابع وزيادة صلابتها وكفائتها وحسن الاداء عند الاحتكاك او الملابسة ولهذا فان الجزء الزائد عن الظفر والخارج عن طرف الانملة لا قيمة له ووجوده ضار كما يقلل من من كفاءة السلامي الاخيرة للاصابع.
الزوائد الظفرية واطالة الأظافر :
الزوائد الظفرية هي اجزاء الصفائح الظفرية التي تزيد عن الظفر الطبيعي الوظيفي الذي ينتهي قبل حافة الانملة بقليل وتنشا هذه الزوائد الظفرية عن طول الأظافر او اطالتها مخالفة لسنة تقليم الأظافر التي تحدثنا عنها سابقا ويهمنا التركيز علي اطالة الأظافر عمدا باعتبارها الامر المستهدف من وراء البدعة السيئة المستوردة من البلاد غير الاسلامية باسم موضة اضالة الأظافر
وبالمقاييس الجمالية المصطنعة لهذه البدعة السيئة يتفاوت طول الزوائد الظفرية من اقل من 1 سم الي ما يزيد عن 1 سم وتاخذ هذه الزوائد حسب المقاييس الجمالية التي يتحكم فيها خبراء هذة البدعة السيئة اشكالا متعددة تعتمد اساسا علي الشكل المسحوب حيث تضيق الزيادة الظفرية بالتدريج نحو الحافة الخارجية وقد يكون السحب كبيرا بحيث تنتهي الزيادة الظفرية بطرف رفيع واحد لتصبح الاظافر اشبة بمخالب الحيوانات كشكل جمالي يختارة المصممون والخبراء (لموضة إطالة الأظافر) .
وينتج عن هذه (الزوائد الظفرية) جيوب أو (كهوف) بين نهاية الأنملة الخارجي وطرف (الزوائد الظفرية) الداخلي : وفي هذه الحالة تتجمع الأوساخ بكل أنواعها، ويحتاج التخلص منها وتنظيف تلك الأماكن إلي جهد ووقت وتدخل من جانب محترفي مهنة تجميل الأظافر ولهذا تكون النتيجة الواقعية تواجد الأوساخ في معظم الأوقات بهذه الجيوب .
ثانياً : الأضرار التي تسيبها زوائد الأظافر ( الزوائد الظفرية) .
ونقصد بتلك الأضرار التي تسببها الزوائد الظفرية وهذه الأضرار ترجع إلي عاملين أساسيين :
الجيوب الظفرية :التي تنشأ بين الزوائد الظفرية ونهاية الأنملة – وبها تتجمع الأوساخ والميكروبات وغيره من مسببات العدوى .
الزوائد الظفرية وما تحدثه بسبب طولها وأطرافها الحادة من إصابات تلحق بجسم الشخص نفسه أو تلحق بالآخرين . كما أنها تكون سببا في إعاقة الحركة الطبيعية الحرة لأصابع اليد وأطراف الأنامل .
الأضرار الناتجة عن الجيوب الظفرية
تتجمع الميكروبات وغيرها من مسببات العدوى مع الأوساخ في الجيوب الظفرية حيث يصعب ؟ تنظيف هذه الأماكن ، كما يتعذر شطفها بالماء الأمر الذي يجعل أطراف الأصابع مصدراً للعدوى خاصة في حالة الأمراض التي تنتقل عن طريق الفم ، وعلي العكس الأظافر التي تقلم دائما لا تكون بها تلك الزوائد الظفرية والجيوب الظفرية ، ويسهل تنظيفها وغسلها بالماء خاصة عند الوضوء للصلاة ، ولهذا لا تتجمع بأطراف الأصابع الأوساخ أو ناقلات العدوى .
ونجد أن المراجع العلمية للطب العلاجي ، عندما تتحدث عن بعض الأمراض التي تنقل عن طريق الفم ، تذكر أحياناً في العلاج (قص الأظافر وتنظيفها بصفة مستمرة) ومن الحالات المرضية التي تؤكد فيها كتب الطب العلاجي علي هذا الإجراء "داء الديدان الدقيقة الذيل والذي يسببه في الإنسان طفيلي" الدودة الدقيقة الذيل والتي تسمي (أكسيورس) .
والأقتصار علي (تقليم الأظافر ) كإجراء علاجي – يلتزم به المرضي دون غيرهم وفي بعض الأمراض يعتبر عملا محدوداً ، ونظرة ضيقة ، لهذا يجب التنبه علي أن يكون (تقليم الأظافر ) عملا مستمراً يحرص عليه الإنسان كسنة من سنن الفطرة وسلوك وإجراء وقائي من الأمراض ،وذلك يتمشي مع مبادئ الطب الوقائي التي تسبق في أهميتها تعليمات الطب العلاجي في المحافظة علي سلامة الأبدان وصحة الإنسان ، وعندئذ يقوم المسلمون وغيرهم بسنة تقليم الأظافر .
تتجمع بالجيوب الظفرية أوساخ من المواد التي تتناولها الأيدي كالأطعمة ، أو تلمسها كفضلات التغوط ، أو التي تنفصل من سطح الجلد عند الهرش بالأظافر ، ويصعب إزالة هذه الأوساخ إزالة كاملة بالغسل العادي للأيدي ، ولهذا فقد يبقي جزء من هذه الأوساخ بداخل الجيوب الظفرية التي تصبح مصدراً للروائح الكريهة.
في الأعمال التي تتطلب إمساك المواد السامة أو ملامستها فإن جزءاً من هذه المواد قد يتجمع بالجيوب الظفرية ، ويصعب إزالتها بالغسل العادي للأيدي وقد تنتقل هذه المواد السامة إلي داخل الجسم عن طريق ا[لأصابع والفم مما يلحق أضرار بحة الإنسان .
قد يصيب الشخص نفسه بالزوائد الظفرية ، وقد يصيب غيره ، ومن الأضرار الشائعة إصابات العين التي قد تصل إلي إحداث قرحة بها بسبب الخدش بالزوائد الظفرية ، وكذلك الإصابات التي تتراوح ما بيت خدش الجلد والجروح السطحية إلي الجروح الغائرة خاصة حالة الحركة العنيفة للأيدي كما في حالة الشجار ، وعندما تكون الزوائد الظفرية ذات نهاية حادة .
تكون الزوائد الظفرية سببا في إعاقة الحركة الطبيعية الحرة للأصابع وبملاحظة حركات الأصابع وأطرافها الأمامية في حالات القبض أو الإمساك أو الملامسة يتبين أن الزوائد الظفرية تعيق هذه الحركات . وكلما زادت الزوائد الظفرية في الطول ، كلما كان التأثير علي كفاءة أصابع اليد وأطراف الأنامل أشد . ويمكن ملاحظة الآتي :
إعاقة الملامسة بواسطة أطراف الأنامل .
إعاقة حركة الإنقباض للأصابع بالوضع الطبيعي بسبب الزوائد الظفرية التي تلامس الكف قبل إتمام حركة إنقباض الأصابع .
التغيير الذي يطرأ علي الحركات الطبيعية للإمساك والقبض وباقي حركات الأصابع بسبب إعاقة الزوائد الظفرية .
ولا يخفي أن هذا التأثير علي حركات الأصابع وأطراف الأنامل واستمراريته ينعكس علي الأداء الوظيفي للأصابع وعلي انثنائها قد يلحق الأضرار بمفاصل الأصابع .
ثالثاً الأضرار التي تصيب الأظافر بسبب إطالتها :
من هذه الأضرار ما يلحق بالزوائد الظفرية ، ومنها ما يلحق بالأظافر وما حولها من أجزاء الأنملة وباقي الإصبع . وتنقسم الأضرار إلي ما يلي .
الأضرار المباشرة التي تلحق بالزوائد الظفرية :
تقصيف الزوائد الظفرية : وهي أضرار شائعة ومتكررة . وتحدث نتيجة اصطدام هذه الزوائد الظفرية ، فبسبب طولها خاصة الطول المبالغ فيه فإنه يكون من الصعب التقدير والتحكم في البعد بين هذه الزوائد ومصادر النار أو الأجسام الساخنة في حركات اليد والأصابع التي تعتمد علي رد الفعل الحركي.
الأضرار غير المباشرة التي تلحق بالأظافر والمنطقة الظفرية والإصبع :
وهي أضرار كثيرة ومتنوعة ، وتتفاوت في شدتها وخطورتها ، ونذكر منها :
إصابات ناتجة عن الصدمات التي يزيد تعرض الأظافر لها في حالة وجود الزوائد الظفرية ، ومن هذه الإصابات :
أ- لخلخة الظفر :الجزئي والكامل ، كمرض رضي .
مرض (Onchorophosis ) : تتضخم الأظافر لتصبح مشابهة للمخالب ، وقد يكون نتيجة للصدمة أو بسبب الاضطراب الدوري للأطراف ، ومن الأساليب المألوفة إطالة الأظافر المتعمدة أو بإهمال قصها لفترة طويلة .
1- مرض (Onychauxis) : يزيد سمك الأظافر دون تشويه (التضخم البسيط) وقد يرجع ذلك إلي تعرض الظفر للصدمات .
أ- مرض (Beans Lines) : تحدث أخاديد مستعرضة تبدأ في منبت الظفر وتمتد في أتجاه نمو الظفر بسبب عوامل عامة ، أو بسبب الصدمات الموضعية .
مرض الأظافر البيضاء : وترجع أسباب المرض إلي الصدمات ، والإصابة بالفطريات . وقد تكون الأسباب جسمانية عامة ، وقد يرجع السبب إلي الرضوض التي تتعرض لها الصفيحة الظفرية في عمليات في التجميل الزوائد الظفرية (التمخلب الضغط والتشكيل – التشكيل بالقص) أو إلي زرع قطع التجميل علي الصفيحة الظفرية وقد تكون الأسباب كيميائية كاستعمال بعض المذيبات وقواعد تغليف الأظافر في عمليات التجميل ، وكذلك مواد التصلد والأظافر الصناعية .
ثانياً : التهاب الجلد التجميلي نتيجة استعماله المستحضرات المستخدمة في تجميل الأظافر ، ونذكر بعض هذه المستحضرات وما تسببه من الأمراض فيما يلي :
طلاء الأظافر : وقد تحتوي علي مركبات السلفوناميد والراتنجات ، وتعتبر أكثر مسببات الالتهابات الجلدية لجفون العيون والرقبة .
مزيلات طلاء الأظافر : وفي عبارة عن مذيبات مثل الأستون الذي يسبب هشاشة الأظافر
الأظافر الصناعية : قد تسبب مادة الاكريلك الإصابة بالتحسس ، وكذلك تفعل ( مادة الغراء) التي تستخدم لتثبيت الأظافر غير الطبيعية .
مصلدات الأظافر أمراضاُ : وتتكون أساساً من مادة الفوماهيد ، التي التحسس وقد تسبب مصلدات الأظافر أمراضاً أخري منها : الداحس ، (خراج الإصبع) تخلخل الأظافر ، فقدان الأظفار ، النزف تحت الظفر .
إن تقليم الأظافر باعتبارها سنة نبوية ، هي أمر ضروري يأخذ به كل مسلم طاعة الله سبحانه وتعالي ، ولرسوله صلي الله عليه وسلم ، وحفاظاً علي سلامة البدن من منطلق الطب الوقائي وحسب الدراسات الواردة في علم الأمراض الجلدية .
ان هذه الدراسة عن (تقليم الأظافر) تعتبر تطبيقاً للأسلوب الذي يمكن اتباعه لمقاومة العادات والأفعال السيئة التي تتعرض مع تعاليم الإسلام وذلك بالمنطق العلمي القائم علي البحوث والدراسات المتخصصة . ونذكر في هذا المقام كيف كانت الدعوة إلي سنة تقليم الأظافر في الماضي حيث كانت أغلفة الكراسات المدرسية تحمل النصائح و الإرشادات ومن بينها نصيحة خاصة (بتقليم الأظافر) كما كان يجري التفتيش الدقيق علي أظافر طلبة المدارس من وقت ، لآخر في الطابور المدرسي الصباحي ، وهكذا تكون الدعوة إلي كل عمل وذلك بالقول والتطبيق .
3-نظافة الشعر : يجب تعهد الشعر بالنظافة -، ولاسيما فيمن كان جلده كثير الدهن ، لرفع ما يتراكم في فروة الرأس أو خلال الشعر من المواد الدهنية والغبار وما شابه من الأقذار ، ثم بترجيله وتمشيطه ليتخلله الهواء فينتعش وتنتعش معه فروة الرأس ، وتنشط فيها دورة الدم فتنمو الأشعار وتقوي . وقد دخل علي النبي . رجل ثائر الرأس أشعث اللحية فقال : "أما كان يجد هذا ما يسكن به شعره؟ (رواه أحمد) ،؟ قال عليه السلام : " من كان له شعر فليكرمه " ( رواه أبو داوود) . أما ما بقي من أشعار البدن فبعضها بقاؤه واجب حتما كالأشعار التي في ندخل المنخرين والشعر المنتشر علي سطح الجلد في كل ناحية لحماية البدن من تخريش الألبسة وإندلاكها ، ومثلها الأهداب الحواجب . أما الشعر النابت بعد البلوغ في المغابن المعرضة للاحتكاك والملامسة كثيراً ، كالآباط وما بين الفخذين . وعلي العانة فحلقه واجب بين حين وحين وقد تقدم أن الإسلام يعتبر ذلك من الفطرة ، أي أن إزالة الشعر منها ليس تغييراً مدة طويلة دون إزالة ، مع ما تسببه من رائحة كريهة وربما من نمو بعض الفطريات . وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم خمس من الفطرة : (الاستحداد والختان وقص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظافر) . فالاستحداد ، أي إزالة شعر العانة وما حولها خشية أن تكون مقراً للطفيليات ومختلف أنواع الجراثيم بالنظر لقربها من القبل والدبر ، وأما الختان فإن وجود (القلفة) وهي التي تغطي الحشفة قد يكمن تحتها بعض الجراثيم ،ولذلك وجب أن تزال ليسهل تطهيرها وإزالة ما قد يصيبها في أثناء الجماع أو التبول . أما قص الشارب فلا يعني إزالته تماما ولكن قصه بحيث لا يتكاثف شعر الشارب فيكون مقراً للإفرازات الأنفية وغير ذلك . والإبط أن يكون مقراً للإفرازات الجلدية الضارة ، وقد ينتقل إليه بعض الطفيليات من العانة ولذلك وجب نتف شعر الإبط

من إعجاز القرآن الكريم والسنة المطهرة في الطب الوقائي والكائنات الدقيقة
'Times New Roman'; mso-fareast-font-family: 'Times New Roman'; mso-hansi-font-family: 'Times New Roman'; mso-ansi-language: EN-US; mso-fareast-language: EN-US; br: AR-SA" الطب الوقائي الحديث هو: العلم المتعلق بالوقاية من الأمراض الجرثومية، والعضوية، والنفسية للفرد والمجتمع. فالكائنات الدقيقة هي المسبب للأمراض الجرثومية وهي تعتبر أمة من الكائنات الحية التي لا ترى أعيننا معظمها، وتوجد في كل مكان؛ في الهواء والماء والتربة، وعلى أجسامنا وفي أفواهنا وأمعائنا،بل وأحيانا في الطعام الذي نأكله، وبعضها مفيد وبعضها ضار، وتتكون من عائلات وأجناس وأنواع متباينة وعديدة، وتتفاوت في الصغر فأصغرها الفيروسات، يليها الميكروبات، ثم الفطريات، ثم الطفيليات الأولية، فالديدان المتطفلة بأنواعها المختلفة، وأخيراً الحشرات المفصلية المتطفلة. وهناك ثلاث مخازن أو مصادر وهي الإنسان، والحيوان، والبيئة (التربة والماء). ولقد حرصت نصوص الشريعة أن تستأصل هذه الكائنات من مخازنها وتحول بينها وبين إلحاق الضرر بالإنسان فأرست قاعدة النظافة
واليدين والذراعين ومسح الرأس والأذنين وغسل القدمين وغسل الفم والأنف) خمس مرات في اليوم الليلة،وفي كل مرة يغسل العضو ثلاث مرات. قال تعالى :{يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنباً فاطهروا .. } الآية1. المضمضة: إن مضمضة الفم بالماء ثلاث مرات، تخلصه من عدد هائل من الكائنات الدقيقة، حيث تستقر فيه أعداد وأنواع كثيرة منها، تزيد على ثلاثمائة مستعمرة، ويتراوح عدد الجراثيم في اللعاب حوالي مائة مليون جرثومة/ مم، كما توجد بعض الفطريات والطفيليات الأولية بأعداد هائلة ، وهي تتغذى على بقايا الطعام بين الأسنان، وينتج من نموها وتكاثرها أحماض وإفرازات كثيرة، تؤثر على الفم ورائحته وعلى لون الأسنان وأدائها، والمضمضة بالماء ثلاث مرات، في خمسة أوقات من اليوم، تخلص الفم من عدد هائل من هذه الكائنات وسمومها.2. السواك : كما نشعر بعظمة أمر النبي ? لنا بالتسوك:[تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب، وما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك حتى لقد خشيت أن يفرض على وعلى أمتي] ( رواه بن ماجة، الطهارة باب 7، حديث رقم 289.المسند 6/121).وكان النبي? لا يرقد من ليل أو نهار فيستيقظ إلا تسوك، وحث النبي? أمته على دوام استعمال السواك، في قوله عليه الصلاة والسلام:[لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة] ( رواه مسلم، النووي 2/116، حديث رقم 252). وكان رسول الله ? كما ثبت في الصحيحين إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك كما أن النبي ? وحـضّ ورغّـب على السواك وملازمته حتى أثناء الصيام. وذلك لما فيه من الفوائد العظيمة للفم والأسنان. ومن هذه الفوائد ما يلي:1. القضاء على الجراثيم، وثبت بالبحث أنه يقضي على خمسة أنواع على الأقل من الجراثيم الممرضة، والموجودة بالفم أهمها البكتريا السبحية (Streptococci) والتي تسبب بعض أنواع الحمي الروماتزمية (براون وجاكوب عام 1979م).2. جرف الفضلات، وإزالة القلح وتلميع الأسنان. 3. تطهير الفم بقتل الجراثيم ومعالجة جروح اللثة والتهاباتها. 4. منع نمو الجراثيم بزيادة حموضة الفم مما يقلل فرصة نمو هذه الجراثيم الموجودة بأعداد هائلة. 5. يزيل اللويحة الجرثومية قبل عتوها وتأثيرها على الأنسجة6. يقي أمراض الفم والأسنان. 7. كما ثبت أن له تأثيرا مهبطاً للسكر وتأثيراً مضاداً للسرطان.ج. الإستنشاق والإستنثار: استنشاق واستنثار الماء من الأنف له فوائد طبية كثيرة؛ أهمها: أنه يزيل المفرزات المتراكمة في جوف الأنف، والغبار اللاصق على غشائه المخاطي؛ كغبار المنزل والطلع وبعض بذور الفطريات والعفنيات المتناثره في الهواء، ويرطب جوف الأنف للمحافظة على حيوية الأغشية المخاطية داخله،كما أنه يزيل الكائنات الدقيقة التي تعلق في جوف الأنف وتستقر به، ولقد أثبتت الدراسات والبحوث التي أجريت لغرض معرفة تأثير الوضوء على صحة الأنف-أن أنوف من لا يصلون تعيش بها مستعمرات جرثومية عديدة وبكميات كبيرة من الجراثيم العنقودية والمكورات الرئوية والمزدوجة (والدفترويد والبروتيوس والكلبسيلا)، وأن أنوف المتوضئين ليس بها أي مستعمرات من الجراثيم، وفي عدد قليل منهم وجد قدر ضئيل من الجراثيم ما لبثت أن اختفت بعد تعليمهم الاستنشاق الصحيح. كما أن نسبة التخلص من الجراثيم الموجودة بالأنف تزداد بعدد مرات الاستنشاق وأنه بعد المرة الثالثة يصبح الأنف خاليا تماما منها. (مصطفى أحمد شحات وآخرون: 1407هـ-1986م). لذا فقد وصى النبي ? بالمبالغة في الاستنشاق وتكراره ثلاثاً،ليتم بهذا القضاء على مخزن من مخازن الكائنات الدقيقة، في هذا المكان المهم والحيوي، إذ هو المدخل للجهاز التنفسي.2. الغسل : كما شرع الإسلام غسل جميع البدن على وجه الإلزام، وندب إليه ، بل حدد الفترة الزمنية التي لا يمكن تجاوزها بغير
غسل، فقال عليه الصلاة والسلام: [حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يغسل رأسه وجسده{ .( رواه الشيخان واللفظ لمسلم، فتح الباري 2/444 حديث رقم 897-898. ومسلم، النووي 3/112 حديث رقم 849) وهذا يحقق غاية الكمال في نظافة الجسم كله، ويزيل عدد هائلا من الكائنات الدقيقة التي تعيش على جلد الإنسان.تذكر المراجع الطبية أن الجلد يعتبر مخزنا لنسبة عالية من البكتريا والفطريات، ويكثر معظمها على البشرة وجذور الشعر، ويتراوح عددها من عشرة آلاف إلى مائة ألف جرثومة على كل سنتمتر مربع من الجلد الطبيعي،وفي المناطق المكشوفة منه، يتراوح العدد بين مليون إلى خمسة ملايين جرثومة/سم2، كما ترتفع هذه النسبة في الأماكن الرطبة مثل : المنطقة الإربية وتحت الإبط، إلى عشرة ملايين جرثومة/سم2. وهذه الجراثيم في تكاثر مستمر.والغسل والوضوء خير مزيل لهذه الكائنات. إذ ينظف الغسل جميع جلد الإنسان كما جاء في غسل النبي ? أنه يروى بشرته ثم يفيض الماء على سائر جسده، وينظف الوضوء الأجزاء المكشوفة منه،وهي الأكثر تلوثا بالجراثيم، لذا كان تكرار غسلها أمرا مهما، وقد أثبتت عدة دراسات قام بها علماء متخصصون : أن الاستحمام يزيل عن جسم الإنسان 90% من هذه الكائنات، أي بأكثر من مأتي مليون جرثومة في المرة الواحدة وهذه الجراثيم تلتصق بالجلد بواسطة أهداب قوية عديدة، لذا أمر الشارع بتدليك الجلد في الوضوء والغسل.3. سنن الفطرة ونظافة الفرد: إن سنن الفطرة التي أوصى بها النبي ? ؛ لتمثل أساس نظافة الفرد. روى الإمام مسلم أن رسول الله? قال:"عشر من الفطرة قص الشارب، وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظافر وغسل البراجم (عقد الأصابع) ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء (الاستنجاء) قال الراوي، ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة"(رواه مسلم، النووي، 2/122 باب 16 حديث رقم 261).لقد كشفت لنا البحوث الطبية الأهمية الصحية البالغة لتطبيق هذه الخصال، وما يترتب على إهمالها من أضرار؛ فترك الأظفار مجلبة للمرض، حيث تتجمع تحتها ملايين الجراثيم، وقد فصل ذلك المختصون. وترك شعر العانة؛ هو المسئول عن مرض تقمل العانة المنتشر بكثرة في أوربا، والذي يؤدي إلى تقرحات والتهابات في هذه المنطقة. وأما الختان فقد أثبتت الأبحاث أن غير المختونين يصابون بمعدل أكبر بأمراض المسالك البولية؛ بسبب عدد من الجراثيم؛ وخصوصاً ارشيا كولاي (E.Coli)، والكبسيلا، كما ازدادت نسبة الصديد والبكتريا لديهم في البول، كما ثبتت العلاقة بين سرطان عنق الرحم، وبين عدم اختتان الرجال.وغسل البراجم (عقد الأصابع)؛ يزيل المستعمرات الجرثومية،التي تتخذ من ثنيات الجلد في هذه الأماكن كهوفا وأخاديد لها، ونتف الإبط ينظف هذا المكان المختبئ من الجلد؛ الذي تتجمع فيه الأوساخ، وتنمو فيه الجراثيم وخصوصاً الفطرية منها،كما أن بعض الجراثيم تهوى العيش على مادة الشعر نفسها في هذه الأماكن.4. نظافة السبيلين واجتناب النجاسات: لقد أكد الإسلام على الطهارة ، وجعلها شرطاً لصحة الصلاة التي تتكرر في اليوم خمس مرات، وأولى خطوات هذه الطهارة نظافة السبيلين اللذين منهما تخرج نفايات الجسد التي تحتوي على قدر هائل من الكائنات الدقيقة والسموم الضارة،وسماها الشارع نجاسات، وأمر بغسل الدبر والقبل بالماء؛ ليزيل أي أثر منها يمكن أن يعلق بالجسد أو بالثياب، ولك أن تنظر في حديث النبي ? الذي أخبر فيه عن رجل يعذب في قبره؛ لأنه كان لا يتنزه من بوله ويترك عدة قطرات منه تعلق بثيابه، لتدرك شدة الاهتمام بنظافة هذا المكان، والتخلص من هذه النفايات الضارة وما فيها من أعداد كثيرة من الجراثيم، لذلك أمر الشارع باجتناب الملابس والأماكن الملوثة بهذه النفايات أو النجاسات وعدم ملامستها حتى تطهر، واعتبر ذلك عبادة، وقد وجد أن إهمال نظافة الشرج والأعضاء التناسلية، قد يكون سبباً في إصابتها بمرض السرطان (أحمد القاضي و أشرف غور 1402هـ،1982م).ولقد بدأ الغرب في مطلع النصف الثاني من هذا القرن، يطبق بعض هذه السنن؛ لما وجد فيها من فوائد صحية، وجعل يدعو إلى ذلك لما ثبت لديه من فائدة الاستنجاء الوقائية من الأمراض؛ حيث أثبتت إحدى الدراسات في كلية الطب جامعة مانشيستر: أن البكتريا تنفذ من ثماني طبقات من ورق التواليت إلى اليد، وتلوثها أثناء عملية التخلص من بقايا البراز، وقد ندرك حجم الخطر إذا علمنا أن الجرام الواحد من البراز في الشخص السليم؛ يحتوي على مائة ألف مليون جرثومة، وفي المريض بمرض التيفويد؛ قد يحتوي الجرام الواحد خمسة وأربعين مليوناً من بكتريا التيفويد، أما في مريض الدزنتاريا أو الكوليرا؛ فمن المستحيل إحصاء أعداد الجراثيم لكثرتها الهائلة.وبهذه التدابير المحكمة في تحقيق نظافة مداخل ومخارج وجلد الإنسان، وملابسه، وأماكن جلوسه ونومه وصلاته، يتوقى من أخطار الكائنات الدقيقة وسمومها الضارة؛ والتي يمكن أن تكون سبباً في مرضه أو هلاكه.هذا فضلاً عن الفوائد النفسية للطهارة، التي تكون أثراً وانعكاساً لها، لكونها عبادة لله الخالق العظيم، وتعود بالنفع على جهاز المناعة فتقويه، وتزداد لديه المقاومة لكثير من الأمراض والعلل التي تهدد حياة الإنسان.وجه الإعجازإن علم الطب الوقائي لم يتبلور ولم يظهر للوجود، إلا بعد اكتشاف علم الكائنات الدقيقة بأنواعها وخواصها المختلفة، وبعد التقدم العلمي والتقني الهائل في معرفة مسببات الأمراض، والذي لم يحدث إلا في هذا القرن أما قبل ذلك فكان الناس فريقين: مسلمين وغير مسلمين، فالمسلمون لديهم نظام دقيق في الطب الوقائي، هو جزء من دينهم يتعبدون الله به، وينفذونه في سهولة ويسر، وأما غيرهم، فهذه شهادة علمائهم عليهم!وصفت العالمة الألمانية ( زيفريد هونكه) في كتابها المسمى "شمس الشرق تشرق على الغرب" انطباع (الطرطوسي) من زيارته لبلاد الإفرنج في تلك الآونة، وكيف كان وهو المسلم الذي يتوضأ، قبل كل فرض من فروض الصلاة الخمسة، يستنكر حال القذارة التي كان يحياها الشعب الأوربي، وأبدى دهشته من أنهم لا يغتسلون إلا مرة أو مرتين كل عام وبالماء البارد،أما ملابسهم فلا يغسلونها بعد أن يلبسوها كي لا تتمزق، ثم بينت الباحثة الألمانية تأثر المجتمعات الأوربية بعد ذلك شيئاً فشيئاً بالعادات الإسلامية الحميدة، بعد أن اتضحت فوائدها، ومنها إقامة الحمامات الخاصة والعامة" (د.عز الدين فراج، ط2 ، 1404هـ). ولقد كان البريطانيون يعتبرون أن الغسل مضر بالصحة حتى أنه قد يؤدي إلى الموت والهلاك. وإنه كان من العيب والعار أن يبنى حمام داخل بيت أمريكي، حتى إن أول حمام مجهز بمغطس بني في البيت الأبيض كان عام 1851م. ولقد أثار في حينه ضجة لأنه اعتبر عملاً مشيناً في ذلك الوقت. وفي فرنسا كان قصر فرساي الشهير على رحابته خالياً من حمام واحد.لقد استعمرت بريطانيا جزر الساندويش وأرغمت سكانها المسلمين بالقمع والإغراء على أن يتحولوا إلى النصرانية ولكن كانت النتيجة كما ذكرها الطبيب البريطاني (برنارد شو) في كتابه "حيرة الطبيب": أن انتشرت بينهم الأمراض والأوبئة الفتاكة، وعلل ذلك بتركهم لتعاليم الدين الإسلامي؛ التي تقضي بالنظافة المطلقة في كل صغيرة وكبيرة؛ إلى حد الأمر بقص الأظافر وتنظيف ما تحتها.إن عالم الكائنات الدقيقة كان غيبياً في زمن النبوة وبعده، حتى القرن الماضي، لكن التوجيهات الإسلامية في الطهارة والوضوء والغسل،والنظافة في المسكن والملبس وأماكن التجمعات، والتوجيهات في المأكل والمشرب، والسلوك الخلقي العام والخاص، لتشير كلها بطريق أو بآخر إلى هذه العوالم الخفية وإلى مسببات الأمراض الأخرى، التي تضعف البدن وتوهن الصحة، وتصيب الجسم بالعلل والأمراض التي قد تودي به إلى الهلاك.وهكذا أثبت العلم سبق القرآن الكريم والسنة النبوية في الإشارة إلى الكائنات الدقيقة، وقدّم التشريع الإسلامي أنجح السبل في القضاء عليها، وحماية الإنسان ووقايته من أخطارها، ورأى العلماء بأعينهم صدق وحي الله لرسوله، وتحقق قوله تعالى:{ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحكيم}(سبأ 6).
المـراجـعد.محمود رجائي وزملاؤه. استعمال السواك لنظافة الفم وصحته، دراسة سريرية وكيميائية ، أبحاث وأعمال المؤتمر العالمي الأول للطب الإسلامي، العدد الأول، المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، الكويت 1401 هـ- 1981م)د.عز الدين فراج. الإسلام والوقاية من الإمراض، ، ط2 ، 1404هـ- دار الرائد العربي، بيروتكيف يحافظ غسيل الأنف عند الوضوء على صحة الإنسان، مصطفى أحمد شحات وآخرون، نشرة الطب الإسلامي، العدد الرابع، أبحاث وأعمال المؤتمر العالمي الرابع للطب الإسلامي، المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، الكويت 1407هـ-1986م.أحمد القاضي، أشرف غور. أوجة الارتباط بين القيم الإسلامية والإصابة بالسرطان ، نشرة الطب الإسلامي، العدد الثاني، أبحاث وأعمال المؤتمر العالمي الثاني للطب الإسلامي، المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ، الكويت 1402هـ،1982م

0 Comments:

Post a Comment

<< Home