Wednesday, February 23, 2005

الإعجاز العلمى فى حديث الثلث


الإعجاز العلمى فى حديث الثلث

للدكتور عبد الجواد الصاوى

المقدمة
روى الترمذي في صحيحه(1) عَنْ مِقْدَامِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا مَلأ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ * كما رواه ابن ماجه في سننه (2)عن نفس الصحابي: الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِ يكَرِبَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا مَلأ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ حَسْبُ الأدَمِيِّ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ غَلَبَتِ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ * ورواه الإمام أحمد في مسنده عن نفس الصحابي أيضا(3).
أشار النبي صلى الله عليه و سلم في هذا الحديث إلى عدة حقائق ، فقد شبه النبي صلى الله عليه و سلم المعدة (المشار إليها في الحديث بالبطن ) بالوعاء.
وأخبر النبي ( صلى الله عليه و سلم ) أن ملء هذا الوعاء بكثرة الأكل شر على الإنسان.
ونصح بالاكتفاء منه على قدر الإحتياج، وقسم النبي (صلى الله عليه و سلم) حجم المعدة إلى ثلاثة أقسام وأخبر أن أكبركمية من الطعام والشراب يمكن أن يتناولها المرء عند الحاجة الملحة هو مقدار ما يملأ ثلثي حجم المعدة. وأخبر (صلى الله عليه و سلم) أن ترك ثلث حجم المعدة خال من الطعام والشراب ضروري لنَفَس الإنسان. وفد أثبت العلم الحديث هذه الحقائق وأيدها.
إن تقسيم حجم المعدة إلى ثلاثة أثلاث: ثلثين للطعام والشراب، وثلث للنفس، لم يُذكر عرضاً في هذا الحديث بل لحكمة بالغة تجلت ووضحت في هذا الزمان، فلماذا هذا التقسيم وتحديده بالثلث ؟ ثم كم مقدار هذا الثلث؟ و ما الذي يحدث إذا تجاوز المرء ولم يلتزم بهذا التوجيه النبوي؟ وسأحاول الإجابة علي هذه الأسئلة وفق ماستقر من حقائق العلم الحديث في علم التشريح ووظائف الأعضاء معتمدا على الركائز التالية: سأعرض شرحا للحديث لعلمائنا السابقين، ثم طرحا للجوانب العلمية الحديثة في الموضوع، ثم بيانا لوجه الإعجاز العلمي في هذا الحديث العظيم.

أولا: أقوال شراح الحديث
1- أضرار امتلاء المعدة
قال ابن القيم في هذا الحديث(4) تحت عنوان: فصل في هديه صلى الله عليه وسلم : في الاحتماء من التخم والزيادة في الأكل على قدر الحاجة ،والقانون الذي ينبغي مراعاته في الأكل والشرب قال: والأمراض نوعان : أمراض مادية تكون عن زيادة مادة :أفرطت في البدن حتى أضرت بأفعاله الطبيعية ،و هي الأمراض الأكثرية.و سببها :إدخال الطعام على البدن قبل هضم الأول ،و الزيادة في القدر الذي يحتاج إليه البدن ،و تناول الأغذية القليلة النفع ، البطيئة الهضم ؛و الإكثار من الأغذية المختلفة التراكيب المتنوعة.فإذا ملأ الآدمي بطنه من هذه الأغذية،و اعتاد ذلك -:أورثته أمراضاً متنوعة، منها بطيء الزوال أو سريعه. فإذا توسط في الغذاء ، و تناول منه قدر الحاجة ، و كان معتدلاً في كميته و كيفيته -:كان انتفاع البدن به أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير.
فامتلاء البطن من الطعام مضر للقلب و البدن .هذا إذا كان دائماً أو أكثرياً و أما إذا كان في الأحيان ، فلا بأس به : فقد شرب أبو هريرة بحضرة النبي صلى الله عليه و سلم من اللبن ، حتى قال :"و الذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً"؛و أكل الصحابة بحضرته مراراً حتى شبعوا .و الشبع المفرط يضعف القوى و البدن : و إن أخصبه .و إنما يقوي البدن بحسب ما يقبل من الغذاء ، لا بحسب كثرته.
و قال الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي: (5)
روي عن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال :"أصل كل داء البردة"،و روي أيضاً عن ابن مسعود . و البردة :التخمة، لأنها تبرد حرارة الشهوة، فينبغي الاقتصار على الموافق الشهي بلا إكثار منه. قال النبي صلى الله عليه وسلم :" ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن، بحسب ابن آدم أُكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة ،فثلث لطعامه، و ثلث لشرابه، و ثلث لنفسه". وأكلات جمع أكلة، و هي اللقمة، وهذا باب من أبواب حفظ الصحة.
و قال عمر رضي الله عنه :"إياكم و البطنة، فإنها مفسدة للجسم ، مورثة للسقم، مكسلة عن الصلاة، و عليكم والقصد فإنه أصلح للجسد، و أبعد عن السرف، و إن الله تعالى ليبغض الحبر السمين" رواه أبو نعيم. واعلم أن الشبع بدعة ظهرت بعد القرن الأول، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :"المؤمن يأكل في معي واحد و الكافر يأكل في سبعة أمعاء" (متفق عليه) ولا تدخل الحكمة معدة ملئت طعاماً، فمن قل طعامه قل شربه، ومن قل شربه خف منامه، و من خف منامه ظهرت بركة عمره، و من امتلأ بطنه كثر شربه، ومن كثر شربه ثقل نومه، ومن ثقل نومه محقت بركة عمره، فإذا اكتفى بدون الشبع حسن اغتذاء بدنه، و صلح حال نفسه و قلبه.

و من تملى من الطعام ساء غذاء بدنه، و أشرت نفسه و قسا قلبه، فإياكم و فضول المطعم فإنه يسم القلب بالقسوة، ويبطىء بالجوارح عن الطاعة، و يصم الأذن عن سماع الموعظة.
2- تقسيم حجم المعدة إلى ثلاثة أقسام وتخصيص الثلث للنفس
قال ابن القيم: و مراتب الغذاء ثلاثة )أحدها):مرتبة الحاجة ؛(و الثانية):مرتبة الكفاية؛(و الثالثة):مرتبة الفضلة.فأخبر النبي صلى الله عليه و سلم :أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه ، فلا تسقط قوته و لا تضعف معها ؛فإن تجاوزها :فليأكل في ثلث بطنه ، و يدع الثلث الآخر للماء ، و الثالث للنفس . و هذا من أنفع ما للبدن و القلب : فإن البطن إذا امتلأ من الطعام ، ضاق عن الشراب .فإذا أورد عليه الشراب:ضاق عن النفس ،و عرض له الكرب و التعب ، و صار محمله بمنزلة حامل الحمل الثقيل . هذا إلى ما يلزم ذلك : من فساد القلب ، و كل الجوارح عن الطاعات ، و تحركها في الشهوات التي يستلزمها الشبع. (4)
و قال الحافظ ابن حجر (6):
قال القرطبي في "شرح الأسماء" لو سمع بقراط بهذه القسمة ، لعجب من هذه الحكمة . وقال الغزالي قبله في باب كسر الشهوتين من "الإحياء" ذكر هذا الحديث لبعض الفلاسفة فقال:ما سمعت كلاماً في قلة الأكل أحكم من هذا . و لا شك في أن أثر الحكمة في الحديث المذكور واضح ،و إنما خص الثلاثة بالذكر لأنها أسباب حياة الحيوان ، و لأنه لا يدخل البطن سواها .و هل المراد بالثلث التساوي على ظاهر الخبر ، أو التقسيم إلى ثلاثة أقسام متقاربة؟ محل احتمال، و الأول أولى.
ثانيا: الطرح العلمي
المعدة: التركيب والوظيفة (11)
المعدة هي جزء متسع من القناة الهضمية وتقع بين المريء والأمعاء الدقيقة ويقع معظمها تحت الغشاء المبطن للضلوع ،وتتمثل على ظاهر البطن في المنطقة الشراسيفية (Epigastric Region)
ومنطقة السرة ومنطقة الربع الأيسر الأعلى من البطن انظر الشكل ( 1 ) وتحيط بها من الداخل الأعضاء التالية :
من الأمام : الفص الأيسر من الكبد وجدار البطن الأمامي . ومن الخلف : الجزء الباطني من الشريان الأورطي والبنكرياس والطحال والكلية اليسرى والغدة الكظرية .
ومن أعلى : الحجاب الحاجز والمريء والفص الأيسر من الكبد
ومن الأسفل : القولون المستعرض والأمعاء الدقيقة .
ومن الأسفل لليسار : الحجاب الحاجز والطحال .
ومن الأسفل لليمين : الكبد والاثني عشر انظر الشكل ( 2 )
وتتصل المعدة بالمرئ عند الصمام القلبي Cardiac Sphincter وهذا يمنع رجوع الطعام إلى المرئ كما تتصل بالأمعاء الدقيقة عند صمام البواب والذي يقفل عندما تحتوي المعدة على الطعام ويقسم علماء الطب المعدة إلى ثلاثة مناطق: قاع المعدة Fundus، وجسم المعدة، ومنطقة الغار البوابي Pyloric Antrum، انظر الشكل ( 3 ) وتصل للمعدة الأعصاب الودية Sympathatic nerves من الشبكة البطنية Coeliac Plexus وهي المسئولة عندما تثار وقت الشدة في تثبيط حركة الأمعاء وتثبيط إفراز العصارة المعدية، بينما تصل إليها الأعصاب نظيرة الودية Parasympathatic nerves من العصب المبهم Vagus nerve وهي المسئولة عن تنشيط حركة الأمعاء وتنشيط إفراز العصارة المعدية، ويتجمع الطعام في المعدة في هيئة طبقات يبقى الجزء الأخير منه في قاع المعدة لبعض الوقت ثم يخلط بالعصارة المعدية بالتدريج كما يبقى لبعض الوقت أيضا لإضافة العصارة الحمضية على الطعام لوقف عمل أنزيمات اللعاب Salivary Amylase.
ويتركب جدار المعدة من ثلاث طبقات من العضلات: طبقة خارجية من ألياف عضلية طولية، وطبقة متوسطة من ألياف عضلية مستديرة، وطبقة داخلية من ألياف عضلية مائلة، وهذا التنظيم يسمح بالحركة الطاحنة المميزة لنشاط المعدة بالإضافة إلى حركتها الدودية،
وتتقوى العضلات المستديرة في منطفة الغار البوابي والصمام البوابي؛ وذلك لإحكام إغلاق هذين الصمامين وفت الحاجة، أما الغشاء المبطن للمعدة فيكون في ثنيات طولية أوتجاعيد عندما تكون المعدة فارغة، وعندما تمتلئ المعدة تزول هذه التجاعيد وتصبح بطانة المعدة ذو ملمس مخملي، انظر الشكل ( 3 )
وتحت هذا الغشاء توجد غدد عديدة لإفراز العصارة المعدية، وتفرز المعدة حوالي لترين من هذه العصارات في اليوم تتكون من الماء والأملاح المعدنية والمخاط وحمض الهيدروليك وعامل داخلي وبعض مقدمات الانزيمات الخاملة، ودائماً توجد كميات قليلة من هذه العصارات حتى والمعدة خالية من الطعام، ثم تزداد هذه العصارات في وجود الطعام وتصل إلى ذروتها بعد ساعة من تناوله، ثم تبدأ في النقصان حتى تعود إلى ما كانت عليه في البداية بعد 4 ساعات من تناول الطعام، ويعتمد إفراغ المعدة على نوعية الطعام بداخلها؛ فوجبة الكربوهيدرات تترك المعدة بعد 2-3 ساعات، بينما تتأخر وجبة البروتينات إلى فترة أطول، وأما وجبة الدهنيات فتمكث فترة أطول منهما.
الحجم الأقصى للمعدة
يختلف حجم المعدة بحسب كمية الطعام التي تحتويها . فحينما يدخل الطعام إلى المعدة فإنها تنتفخ تدريجياً للخارج مستوعبة كميات أكبر وأكبر من الطعام حيث تتمتع الألياف العضلية الملساء في المعدة بخاصية المرونة حتى تصل إلى أقصى حد لها وهو حوالي لتر ونصف اللتر. ويظل الضغط داخل المعدة منخفضاً حتى تقترب من هذا الحجم. (12) بناء على قانون لابلاس القائل بأنه كلما ازداد قطر الجسم كلما ازداد التقعر في جداره، فلا تسبب زيادة قطر المعدة ارتفاعاً في الضغط داخلها إلا بدرجات ضئيلة جداً. (13)
ويمكن تقسيم حجم المعدة إلى ثلاثة أقسام متساوية سعة كل قسم نصف لتر (500مل). ثلث حجم المعدة الفارغ ضروري لنفس الإنسان
هناك علاقة حيوية بين المعدة والتنفس حيث تكمن المعدة في الجزء العلوي من التجويف البطني تحت الحجاب الحاجز مباشرة و تستقبل الطعام بعد مضغه و بلعه ومروره بالمريء. وللمعدة قدرة كبيرة على تغيير حجمها، فهي تبدو صغيرة عندما تكون فارغة ،و تتمدد كثيراً بعد تناول وجبة كبيرة، وعندئذ يشعر الإنسان بعدم الراحة وصعوبة في التنفس ، ويعني ذلك أن المعدة قد امتلأت أكثر من اللازم حتى أصبحت تشغل حيزاً يزيد عن المعتاد فضغطت على الحجاب الحاجز . فأوجد هذا صعوبة في تقلصه و إعاقته عن الحركة إلى أسفل بالقدر اللازم لحدوث تنفس عميق.ا.هـ. (9)
دورة التنفس وعلاقتها بالمعدة(11)
تتكون دورة التنفس من الشهيق والزفير وفترة راحة بينهما، ويتسع القفص الصدري أثناء الشهيق نتيجة لنشاط عضلي بعضه إرادي وبعضه غير إرادي، والعضلات الرئيسة التي تتحكم في التنفس الطبيعي الهادئ هي العضلات بين الأضلاع وعضلة الحجاب الحاجز، أما في التنفس الصعب أو العميق وهو تنفس طارئ فتتدخل فيه عضلات الرقبة والصدر والبطن .
ويشكل الحجاب الحاجز فاصلا بين التجويف الصدري والبطني؛ فهو يمثل أرضية للتجويف الصدري وسقف للتجويف البطني، ويقع في مقابل الفقرة الصدرية الثامنة في حال ارتخائه، وعندما تنقبض عضلته يتسع التجويف الصدري في الطول وذلك لاتصالها بالضلع الأول الثابت في الصدر، وعندئذ يقع الحجاب الحاجز مقابل الفقرة الصدرية التاسعة، كما يتسع التجويف الصدري من الجانبين والأمام والخلف بسبب انقباض العضلات بين الضلوع، وهذا الاتساع يؤدي إلى انخفاض الضغط داخل التجويف الصدري وارتفاعه داخل التجويف البطني، وعندما تزداد سعة القفص الصدري بواسطة هذه الانقباضات العضلية تتحرك الجنبة الجدارية(Pleural مع أسطح الصدر والحجاب الحاجز، وهذا يؤدي إلى خفض الضغط داخل التجويف البللوري فتتمدد الرئتين، ويؤدي تمددهما إلى انخفاض الضغط داخل الحويصلات والممرات الهوائية فيندفع الهواء إليهما لكي يتعادل ضغط هواء الحويصلات الهوائية مع الضغط الجوي. وقد وجد أن انخفاض هذا الضغط -1 سم / ماء رغم أنه انخفاض طفيف إلا أنه كاف ليحرك حوالي نصف لترمن الهواء إلى الرئتين في خلال ثانتين وهي المدة اللازمة للشهيق( 13) .
كما أن انخفاض هذا الضغط داخل التجويف الصدري يساعد في رجوع الدم الوريدي غير المؤكسد إلى القلب ويعرف بمضخة التنفس.
حجم الهواء الداخل للرئتين والخارج منها مع كل تنفس يساوي ثلث حجم المعدة
تذكر المراجع الطبية الحديثة أنه مع كل شهيق وزفير في التنفس الطبيعي تدخل إلى الرئتين وتخرج منها حوالي500 ملليمتر من الهواء مع كل تنفس . (11) وهذه الكمية تدخل وتخرج بانتظام كمد البحر فإنها لذلك تسمى الحجم المدي"Tidal Volum") ويقدر بجهاز خاص لقياس كمية الهواء المتبادل في عملية التنفس يسمى مقياس النفس spirometer (14).
الطعام وكيف يستفيد منه الجسم
يتكون الطعام الذي نأكله من البروتينات ، والكربوهيدرات ، والدهون ، والفيتامينات مخلوطة بأثر بسيط من معادن الأرض ، ولقد هيأها الله سبحانه في صور شتي ، وألوان مختلفة ، وطعوم جذابة ، ليتناولها الإنسان بشغف
ويستفيد الجسم من الطعام بتحوله إلى مكوناته الأولية وتحرر الطاقة الكامنة فيه عبر عملية تسمى بالتمثيل الغذائي والتي يمكن تلخيصها في عمليتي البناء والهدم ، ففي عملية البناء تستخدم مكونات الغذاء المختلفة بعد تحللها بالعصارات الهضمية وامتصاصها، في بناء الخلايا الجديدة، والمركبات الحيوية المختلفة ، وفي عملية الهدم يقوم الجسم بحرق مكونات الطعام بخطوات دقيقة ومتدرجة ، تؤكسد فيها : الكربوهيدرات ، والبروتينات والدهون ، منتجة ثاني أكسيد الكربون ، والماء ، والطاقة ، وبواسطة التمثيل الغذائي يحصل الجسم على مكونات خلاياه ومركباته الهامة ، ويحصل على الطاقة اللازمة لتشغيل سائر العمليات الحيوية الخاصة به، ويحصل الإنسان على الطاقة من الطعام في صورة طاقة كيميائية كامنة فيه بين جزئيات مواده وذراتها، إذ يمده الجرام الواحد من كل من الكربوهيدرات والبروتينات ب1 ، 4 كيلو كالوري*، ويمده الجرام من الدهون ب 3، 9 كيلو كالوري، بعد احتراقها ببطء داخل الخلايا بواسطة عملية دقيقة بارعة تسمى الأكسدة الحيوية(Biologic oxidation)
ويستفيد الجسم من الطاقة التي حصل عليها في تشغيل أجهزته المختلفة، كما يستخدم
الجسم الطاقة في الحركة، وفي إنتاج الحرارة اللازمة لحفظ درجة ثابتة لا تتغير، وما يزيد عن حاجته منها يخزن في مخازن خاصة، تستجلب عند الحاجة إليها .
مصير الطاقة الفائضة تفيض الطاقة عن حاجة الجسم الفعلية وتختزن في داخله ، إما على هيئة مواد غذائية مكثفة تنطلق منها الطاقة الكامنة فيها عند أكسدتها، كالدهون المختزنة تحت سطح الجلد وداخل الجسم ، والبروتينات المختزنة في العضلات وخلايا الأنسجة الأخرى ، والجليكوجين المختزن في الكبد والعضلات ، أو تختزن الطاقة في روابط كيميائية لبعض المركبات ذات القدرة على اختزان كميات هائلة منها.
وتختزن الطاقة على الهيئة الأولى أثناء المرحلة المتوسطة من التمثيل الغذائي ، حيث تكون المركبات الكيميائية الناتجة من السكريات والأحماض الأمينية والدهون متشابهة إلى حد بعيد , ويمكن عندئذ تحويل كل منها للآخر ، فإذا تناول الإنسان قدراً أكبر من المواد النشوية أو البروتينات في طعامه ، تحول القدر الزائد منها عند هذه المرحلة إِلى دهون ، تختزن لوقت الحاجة إليها ، كما تختزن الطاقة على الصورة الثانية منها في المرحلة الأخيرة من الهدم، حيث تتحول جميع المركبات الكيميائية إلى ثاني أكسيد الكربون وذرات الهيدروجين التي تتأكسد لتكون الماء ، وتطلق الطاقة من هذه التفاعلات ، ولا تستطيع الخلايا أن تستخدمها مباشرة ، ولكنها تختزن في مركبات فوسفورية عالية الطاقة ، تختزن روابطها كميات هائلة منها تصل إلى 10-12 كيلو كالوري للجزيء الواحد ، وخير مثل لهذه المركبات هو مركب الأدينوزين ثلاثي الفوسفات (T P A)، أنظر شكل ( 1 )
والذي يعتبر المخزن الرئيسي للطاقة في الجسم ، وتختزن الطاقة في هذا المركب العجيب حسب عدد روابطه الفوسفاتية ، فالرابطة الثلاثية تختزن كمية أكبر من الرابطة الثنائية ، والثنائية أكبر من الأحادية ، وتنطلق الطاقة منه على مراحل حسب رابطة الفوسفات أيضاً ، فعندما تتحول إلى أدينوزين ثنائي الفوسفات ( A D P ) تنطلق منه الكمية الأولى ، وتنطلق الكمية الثانية عندما يتحول إلي أدينوزين أحادي الفوسفات( A M P) ، ثم يرجع المركب مرة أخرى إلى صورتيه ، بعدما تحمل ذرات الأكسجين فيه مزيداً من الألكترونات ، مختزناً بذلك كميات هائلة من الطاقة أثناء عملية الهدم ، ليمد بها العمليات الحيوية في خلايا الجسم أثناء مرحلة البناء ؟ وهكذا دواليك . وتقوم مركبات فوسفاتية أخرى بهذا العمل وبنفس الطريقة.

مخزون الطاقة في الجسم
تتكون الطاقة المختزنة في أنسجة الجسم ، من الجليكوجين المختزن في الكبد والعضلات ، والبروتين المختزن في العضلات بصفة رئيسية ، والدهون المختزنة في الأنسجة الشحمية في الجسم كله ، ومقاديرها في الشخص البالغ الذي يزن 70 كجم تصل إلى : 166 ألف كيلو كالورى تشكل الدهون فيها أعلى نسبة ، حيث تصل إلى أكثر من 140 ألف كيلو كالورى، والكربوهيدرات أقل نسبة : حوالي 1900 كيلو كالورى والباقي للبروتين: حوالي 24 ألف ك . ك وهذه الطاقات تكفي لحياة الإنسان من شهر إلى ثلاثة شهور لا يتناول فيها طعاماً قط .
توازن الطاقة
لقد هيأ الله سبحانه وتعالى جميع الكائنات الحية بحيث تكون لها طاقة متوازنة مع بيئتها ، تأخذ منها على قدر حاجتها ، إلا الحيوانات المستأنسة ، أوالحيوانات ذات البيات الشتوي أو الإنسان ، والذي إن قلت كمية الطاقة التي يتناولها في طعامه عن الطاقة اللازمة لعملياته الحيوية ونشاطاته المختلفة، يكون توازن الطاقة لديه سلبياً ، ويحصل الجسم على ما ينقصه منها من مخزونه من الجليكوجين ، والبروتين ، والدهون ، وبالتالي ينقص وزنه ،و حينما يكون العكس بتناول كمية من الطاقة في الطعام أكثر من الحاجة اللازمة ، يخزن الباقي منها في الجسم ، فيزيد الوزن تبعاً لذلك .
انتاج الطاقة وتخزينها
تتحلل معظم الكربوهيدرات بصورها المختلفة، إلى سكريات آحادية أثناء التمثيل الغذائي، ثم تتحول جميعاً إلى سكر الجلوكوز؛ وهو السكر الوحيد الذي يتعامل معه الجسم البشري في الحصول منه على الطاقة ، لقد جعل الله سبحانه هذا السكر موجوداً بصورة حرة دائمة في الدم ، وبنسبة ثابتة (من 70- 110 ملجم ) ، ثم جعل ما يزيد عن هذه النسبة يختزن جزء منه ( 5 %) على هيئة جليكوجين في الكبد ، وهو جلوكوز مكثف ، يستدعى عند الحاجة الملحة والسريعة ، ويتحول جز أكبر من السكر الزائد ( 40 % ) إلى دهن ، يختزن كاحتياطي في الكبد والعضلات ، يستدعى عند الحاجة إليه للحصول منه على الطاقة ، كما يمكن أن يتحول إلى أحماض أمينية غير أساسية ، عندما لا تتوفر هذه الأحماض في الغذاء ، وما لم يتحول أو يخزّن من الجلوكوز،
يدخل إلى فرن الاحتراق في الخلية ( Mitochondria ) ، وهو جهاز دقيق فريد ، يطلق الطاقات الكامنة بين ذرات العناصر المكونة للجلوكوز، عبر تفاعلات كيميائية دقيقة، وبكميات هائلة، وتتكثف وتخزن عبر روابط الأدينوزين ثلاثي الفوسفات وأشباهه ، لتستخدم بدقة عند الحاجة إليها.
إن الجزيء الواحد من الجلوكوز عندما يدخل إلى فرن الإحتراق ينتج 38 جزيئاً من مركب الأدينوزين ثلاثي الفوسفات ، طبقاً للمعادلة التالية:
جزيء جلوكوز+ 6 جزيئات أكسجين – 6 جزيئات ثاني أكسيد الكربون + 6 جزيئات ماء + 38 جزيء أدينوزين ثلاثي الفوسفات .
وإذا علمنا أن الجزيء الواحد من هذا المركب يختزن طاقة من10-12 كيلو كالوري
فانظر كم يعطي جزيء الجلوكوز الواحد من الطاقة المختزنة ؟ وهل تتخيل كم يعطي الجرام منه ، أو عدة جرامات ؟ إنها أرقام فلكية ! وهذا يمثل فقط ( 40 % ) من الطاقة المتحررة من جزيء الجلوكوز الواحد ، أما الباقي وهو( 60 % )، فتنطلق كحرارة تنظم درجة حرارة الجسم .
ويعتمد عدد جزيئات الأدينوزين ثلاثي الفوسفات الناتج من أكسدة الأحماض الدهنية على عدد ذرات الكربون في جزيء الحمض الدهني فالذي يحتوي على 6 ذرات كربون فقط ينتج 44 جزيئاً من مركب أدينوزين ثلاثي الفوسفات. والذي يحتوي منها على
16 ذرة ينتج 129 جزيئاً من أدينوزين ثلاثي الفوسفات ، والذي إذا حول إلى وحدات الطاقة يبلغ ما يعطيه جزيء الحمض الدهني هذا 1290 كيلو كالوري . فكم يعطي الجرام من الدهن ؟ (8).
الأضرار الناتجة عن الإفراط في الطعام في الطب الحديث
السمنة (البدانة ) وما يصاحبها من أمراض :
ترتبط السمنة بالإفراط في تناول الطعام خصوصا الأطعمة الغنية بالدهون ، وهي مشكلة واسعة الانتشار ، وقد تقترن بزيادة خطر الأمراض القلبية الوعائية ، مثل قصور القلب ، والسكتة القلبية ، ومرض الشريان التاجي ، ومرض انسداد الشرايين المحيطة بالقلب، وارتفاع ضغط الدم، ومرض السكري، و ارتفاع دهون الدم . ولا شك أن جلطة القلب لها علاقة بالسمنة وكذلك حصيات المرارة وداء النقرس وهو مرض مزمن يسبب نوبات من الآلام المفصلية ،و ينتج عن زيادة الحامض البولي في الدم ،فينشأ عن ذلك ترسب هذا الحامض البولي على شكل بلورات من يورات الصوديوم حول المفاصل .و من أهم أسبابه: الإفراط في تناول الأطعمة الغنية بالمواد البروتينية (كاللحوم والأسماك ) والأطعمة الغنية بالنيكلوبروتين(كالمخ والمخيخ والكبد ولوزة العجل ).
وهناك أمراض أخرى لها علاقة بالسمنة أيضا مثل : دوالي الساقين ، فتق المعدة ، الإمساك ، الالتهابات ، بطء شفاء الجروح ، والتهاب المفاصل التنكسي. (7)
وتحدث السمنة نتيجة لاضطراب العلاقة بين ثلاثة عناصر من الطاقة وهي : الكمية المستهلكة من الطعام ، والطاقة المبذولة في النشاط والحركة ، والطاقة المختزنة على هيئة دهون بصفة أساسية ، فالإفراط في تناول الطعام مع قلة الطاقة المبذولة في الحركة يؤدي إلى ظهور السمنة خصوصا مع توفر وسائل الحياة المريحة.
إن الإنسان العادي يستهلك حوالي 20 طنا من الطعام في فترة حياته ، وحدوث نسبة25 ، % من الخطأ في توازن الطاقة يؤدي إلى زيادة في الوزن تبلغ 50كجم ، أو زيادة عند شخص بالغ يزن 70 كجم فيصبح وزنه 120 كجم ، وهذا من شأنه أن يبين مدى الدقة المطلوبة في تنظيم تناول الطعام للمحافظة على استقرار وزن الجسم .
ومن المعتقد أن السمنة تنجم إما عن خلل استقلابي ( خلل في التمثيل الغذائي ) ، أو عن ضغوط بيئية ، أو اجتماعية ، وقد تنجم البدانة أيضا عن خلل في الغدد الصماء ، أو عن أسباب نفسية واجتماعية متضافرة ، تظهر على شكل إفراط في الأكل ، وكثيرا ما يتزامن حدوث الاضطرابات الاستقلابية ، والضغوط البيئية ، بحيث يكمل أحدهما الآخر فتتفاقم الحالة . وفي المقابل يرى كثير من العلماء أن الاضطراب النفسي الذي يفضي إلى الشراهة في تناول الطعام ، والذي يتسبب في السمنة ، قد يؤدي إلى ظهور اضطرابات في عملية الاستقلاب أو التمثيل الغذائي ، وبالتالي فمن المتعذر تفسير الاضطرابات الرئيسية في توازن الطاقة - في حالة السمنة - بأنها عبارة عن التغير في أحد العناصر، ولكن يظل واضحا تماما أن الإفراط في الأكل هو أحد العوامل الرئيسية في حدوث السمنة .
وهناك تغيرات كيميائية حيوية تصاحب السمنة ، أهمها تغير نمط استقلاب الدهون ، إذ تزداد البروتينات الشحمية ( نوع بيتا ) في البلازما ، والأحماض الدهنية الحرة ، ويزداد تركيز الأنسولين في الدم زيادة كبيرة ، مما يؤدي إلى تضخم البنكرياس، أو زيادة أنسجته، فيؤدي إلى زيادة إنتاج الأنسولين ، الذي يتسبب في تكون الأحماض الدهنية في الكبد من المواد الكربوهيدراتية ، وزيادة ترسب المواد الدهنية في الأنسجة الشحمية ، وهذا يؤدي إلى ظهور أعراض مرض السكري ، حيث تفقد مستقبلات الأنسولين الموجودة على الأنسجة الاستجابة للإنسولين (8).

ثالثا:وجه الإعجاز في الحديث
1-الإفراط في الطعام والشراب شر وخطر على صحة الإنسان
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الحقيقة منذ أربعة عشر قرنا من الزمان في عبارة بليغة موجزة: (مَا مَلأ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ) وتحقق هذا الشر بيقين في هذا العصر بظهور الأمراض الخطيرة المهلكة للإنسان الناتجة بسبب الإفراط في تناول الطعام، وذلك بعد تقدم وسائل الفحص والتشخيص الطبي الدقيق، وبينما كان علماء المسلمين يحذرون الناس من اخطار التخمة وكثرة الأكل عبر خمسة عشر قرنا استنادا لحديث نبيهم، كان غيرهم يعتقدون أن كثرة الأكل مفيدة غير ضارة ويتسابقون في ملئ البطون بالطعام والشراب ففي إنجلترا يتحدث الطبيب (تشين ) (1671-1743 ) عن عقيدة البروتستانت في الإفراط في الطعام والشراب فيقول : " لست أدري ما عليه الأمر في البلدان الأخرى ، ولكن نحن البروتستانت لا نعتبر الإفراط في تناول الطعام مؤذيا ولا ضارا ، حتى أن الناس يحتقرون أصدقاءهم الذين لا يملأون بطونهم عند كل وجبة طعام " وبعد أن أدرك هذا الطبيب من بين جميع الأطباء المعاصرين له أخطار كثرة الأكل، حمل الأطباء المسئولية في عدم إرشاد الناس لهذه الأخطار فقال : " والأطباء لا يدركون أنهم المسئولون أمام المجتمع وأمام مرضاهم بل أمام الخالق ، لأنهم يشجعون الناس علي الإفراط في الطعام والشراب ، ذلك لأنهم بهذا يعملون على تقصير آجال كثير من مرضاهم" (10).
وقد تنبه بعض علماء الغرب فقط في عصر النهضة في أوروبا إلى هذه الأخطار فأخذوا يطالبون الناس بالحد من الإفراط في تناول الطعام وترك الانغماس في الملذات والشراب. فهذا أحدهم ( لودفيك كارنارو) من البندقية يحذر أمته من هذه الأخطار، فكان مما قال (يا إيطاليا البائسة المسكينة ! ! ألا ترين أن الشهوة تقود إلى موت مواطنيك أكثر من أي وباء منتشر أو حرب كاسحة ؟ ) . " إن هذه المآدب المشينة والتي هي واسعة الانتشار اليوم ، لها من النتائج الضارة ما يوازي أعنف المعارك الحربية " .
" لذلك يجب علينا ألا نأكل إلا بقدر ما هو ضروري لتسيير أجسامنا بشكل مناسب " .
" وإن أية زيادة فيما نتناوله من كميات الطعام تعطينا سرورا آنيا . . ولكن علينا في النهاية أن ندفع نتائج ذلك مرضا، بل موتا في بعض الأحيان " (14) .
و لعل اكتشاف أمراض السمنة وأخطارها المهلكة وعلاقة ذلك بالشراهة وكثرة الأكل، يجعلنا نزداد يقيناً بعظم القاعدة الذهبية في حفظ الصحة البشرية المتمثلة في قول الله تعالى :"وكلوا واشربوا ولا تسرفوا " (الأعراف31)
من الذي علم رسولنا عليه الصلاة والسلام هذا العلم ؟ إنه الله جل في علاه.

2- إقامة الصلب والحد الأدنى من الطعام
تختلف الحاجة للطعام من إنسان إلى لآخر حسب طبيعة عمله ومن وقت إلى آخر عند الفرد ذاته، لكن هناك قدر مشترك من الحاجة إلى السعرات الحرارية يتساوى فيها بني البشر جميعاً على وجه الاجمال، وهو المعدل الثابت من الطاقة التي يحتاجها الانسان البالغ والتي تستخدم في حفظ العمليات الحيوية الاساسية داخل الجسم كتشغيل القلب وسائر الجهاز الدوري الدموي ، والجهاز التنفسي ، والهضمي ، والبولي ، والعصبي ، وتسيير العمليات الضرورية لحفظ الحياة لنقل الأيونات عبر جدر الخلايا ، والإشارات المختلفة عبر الخلايا العصبية ، وسائر العمليات والتحولات الكيميائية في التمثيل الغذائي.
وهي تبلغ حوالي 2000 كيلو كالوري من السعرات الحرارية وتختلف حاجة الناس بأزيد من هذا حسب طبيعة أعمالهم ، فتزيد للدارسين والباحثين وكل العاملين في المجال الفكري حوالي 500كيلوكالوري عن المعدل الثابت، بينما يحتاج الذين يمارسون أعمالاً شاقة؛ كرفع الأثقال وعمال البناء والمناجم وقطع الخشب مثلاً إلى حوالي 3500 كيلو كالوري، إضافة للمعدل الثابت في اليوم .
وقد يشير الحديث إلى هذه الحقيقة في قوله عليه والصلاة والسلام: بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فقد يكون ذكر اللقيمات لإقامة الصلب كناية عن هذا المعدل الثابت الذي يحتاجه الناس جميعا ويمكن أن يتحقق بالقليل من الطعام حيث تنطلق منه الطاقة على مرحلتين: الأولى: الطاقة المباشرة التي يعطيها الجرام من عناصره الغذائية . والثانية: مايعطيه الجزيئ منها من الطاقة المختزنة في مركبات الأدونيزين ثلاثي الفوسفات وأشباهه ؛ وهي طاقة هائلة كما بينا.وهذا يوضح الآن كيف خاض أولئك الرجال الأفذاذ من الصحابة الكرام ومن تبعهم الحروب والأهوال وكان زاد الواحد منهم حفنة من تمرات!
وما يزيد عن ذلك قد يندرج
3- ملئ ثلثي المعدة من الطعام هو الحد الأقصى
كما يمكن أن تندرج الزيادة في الحاجة للطاقة عن المعدل الثابت في إشارة النص في قوله فإن كان ولابد فاعلاً فثلثٌ لطعامه وثلثٌ لشرابه.. الحديث. ويمكن أن تفهم هذه الزيادة من أول درجاتها إلى أعلى معدل لها والتي يحتاجها العاملون في الأعمال الشاقة بحيث لا يتجاوزأكبر حجم للطعام والشراب عن ثلثي حجم المعدة. أعلى معدل لها .
إن تحديد ثلثي المعدة للطعام والشراب لهو أقصى درجات الشبع عند المسلم بناء على إرشاد النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، واعلم -رعاك الله- أن هذا الحجم هو عبارة عن لتر كامل من الغذاء المطحون مع الشراب والذي يمكن أن يكون أحد مكونات الطعام من الإدام أو الشوربة أو يكون عصيراً أو ماءً قراحاً وهو ما يعادل على الجملة أربعة كاسات ماء من الحجم الكبير، وهو كمية هائلة من الطعام في الوجبة الواحدة,
فعلى المسلم ألا يصل إلى تناول هذه الكمية إلا عندما تغلبه نفسه أو يقع في مأزق يضطره إلى تناول هذا القدر، وعليه الاقتصار على أقل من ذلك تطبيقا لنصيحة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. وعندما يطبق المسلم هذا الحديث بعناية -ففضلاً على حصوله على الأجر العظيم لإتباعه لسنة النبي صلى الله عليه وسلم_ فإنه يمارس أيضاً أقوى برنامج في التوازن الغذائي والتخلص من الوزن الزائد وأمراض السمنة وأخطارها.
4- التوازن الغذائي مطلب أشار إليه الحديث
تؤكد جميع الاوساط العلمية المهتمة بالغذاء وصحة الانسان على ضرورة التوازن الغذائي بين الطاقة المستهلكة، والطاقة التي يتناولها الانسان من خلال الطعام وفي هذا الحديث إشارة واضحة لذلك. ويذكر العلماء أن الغذاء المتوازن يحتاج إلى قدر من المعلومات وحسن تخطيط،(11) والحديث يفيد ذلك كله بوضوح. والغذاء المتوازن لا يعتمد فقط على حجمه بل على تنوعه، ويمكن تحديد كمية الطعام ونوعيتة التي يحتاجها الفرد حسب نشاطه وعمله، بناء على المعلومات الآتية:
1- لابد ان يحتوي الغذاء المتوازن على عناصره الأساسية من الكربوهيدرات والبروتينات والدهون والفيتامينات والمعادن والماء.
2-ينبغي أن تكون نسبة الكربوهيدرات من كمية الغذاء في اليوم الواحد حوالي 60 %، ونسبة البروتينات منه حوالي 15 %، ونسبة الدهون حوالي 25%.
3- تقسم كمية السعرات الحرارية اللازمة للشخص حسب طبيعة عمله من العناصر الثلاثة في الخطوة السابقة، على ما يعطيه كل جرام منها من السعرات الحرارية (إذ يمده الجرام الواحد من كل من الكربوهيدرات والبروتينات ب1 ، 4 كيلو كالوري، ويمده الجرام من الدهون ب 3، 9 كيلو كالوري) ثم تحسب الكمية اللازمة بالضبط للفرد.
وعليه يمكن التحكم في كميات الطعام التي نتناولها على علم وفهم، فإن كان الشخص يعاني من البدانةفليتناول كمية أقل منها ويسحب من مخزونه من الطاقة باقي الكميةاللازمة لاحتياجاته اليمية وبالتالي يمكن أن يتخلص الإنسان من السمنة بسهولة فتطبيق هذا الحديث العظيم نتوقى الأخطار والمهالك مع تحقق المنفعة والفائدة لأجسامنا وأرواحنا.

4-امتلاء المعدة بالطعام يؤثر على أجهزة الجسم
حينما تمتلئ المعدة تماماً تضطرب مضخة التنفس ولا يصل كل الدم الوريدي غير المؤكسد إلى القلب بسهولة. وإذا لم تنقبض عضلة الحجاب الحاجز بالقدر المطلوب بسبب امتلاء المعدة سيؤدي ذلك بدوره إلى عدم قدرة الرئتين على التمدد الكامل؛ نظرا لعدم اتمام اتساع القفص الصدري فلا يحصل تبعاً لذلك دخول الهواء بالحجم الطبيعي أو المدى إلى الرئتين، وتتدخل عندئذ عضلات الطوارئ في إحداث تنفس عميق يؤدي إلى ضغط محتويات التجويف البطني لتفريغ مساحة لاتساع التجويف الصدري، وهذا بدوره يؤدي إلى شدة واضطراب يؤثر على جميع أجهزة الجسم المختلفة، أما إذا ترك ثلث المعدة أو أكثر منه فارغا وهو ما يوازي حجمه حجم الهواء الطبيعي الداخل للرئتين (500 مل ) فإنه بذلك يؤدي إلى تنفس انسيابي مريح وانصباب سهل للدم الوريدي للقلب وبهذا يظهر الأثر الضار لامتلاء المعدة على كل من الجهاز التفسي والدوري عند الإنسان . كما أن امتلاء المعدة بالطعام يؤثر سلبا على هضمه، حيث أن تمدد جدار المعدة يثبط نشاط عضلات هذا الجدار فيؤدي بدوره إلى تأخير وإعاقة الهضم.(13)
5-ثلث المعدة يطابق تماما حجم هواء التنفس
بالنظر والمقارنة بين أقصى حجم للمعدة يمكن أن تصل إليه وهو حوالي الليتر و نصف الليتر ، وبين الحجم المدِّي للنفس الطبيعي للإنسان (Tidal Volum)؛ والذي يبلغ في العادة حوالي500 ميلليمتر من الهواء، يتبين لنا أن حجم الهواء الداخل إلى الرئتين يمثل ثلث حجم المعدة، وفي هذا إعجاز نبوي واضح حيث حدد النبي صلى الله عليه و سلم هذه القياسات في زمن لم تتح فيه هذه الأجهزة الدقيقة التي تقيس حجم الهواء الداخل إلى الرئتين، وتحدد أقصى حجم لتمدد المعدة، وقياس الضغط بداخلها.
فمن أخبر النبي صلى الله عليه و سلم بهذه الحقائق؟ و من الذي أعلمه بفائدة مراعاة هذه القياسات الدقيقة التي لم تكن قد عرفت في عصره أو حتى في عصور متأخرة بعده؟
إنه الله القائل : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. (النجم 2-4)
المراجع
* الكالورى معامل قياس ويعرف بأنه كمية الطاقة الحرارية اللازمة لرفع درجة حرارة جرام واحد من الماء درجة مئوية واحدة من 15 - 16 درجة مئوية ، والوحدة الأكبر منه هو الكيلو كالوري ويساوي 1000 كالوري .
1- صحيح الترمذي – كتاب الزهد- حديث رقم 2302
2-سنن ابن ماجه – كتاب الأطعمة -حديث رقم 3340
3-مسند أحمد – مسند الشاميين-حديث رقم 16556
4-الطب النبوي ابن القيم ص 12
5- الطب النبوي للذهبي .ص67-69
6-فتح الباري ج9 ص438
7- حسان شمسي باشا، قبسات من الطب النبوي ص52-57
8- عبد الجواد الصاوي، الصيام معجزة علمية -الطبعة الثانية مطابع رابطة العالم الإسلامي. مكة المكرمة.
9-كاثرين أنتوني و غاري ثيبودو تركيب جسم الإنسان ووظائفه .ص
10--الان كوت. الصوم الطبي النظام الغذائي الأمثل. ص187-189
11-Ross and Wison (2001), Anatomy and Physiology, 9 Ed, Churchil livingstone.
12- Kathleen J W Wilson (1994), Anatomy and Physiology In Health and Illness,7Ed,EL BS with Churchil livingstone.
13- Arthur C. Guyton(1991), Medical Physiology W.B.Saunders Company.
14-Essentils Of Human Anatomy&Physiology Elaine N. Marib p242
.

0 Comments:

Post a Comment

<< Home